Spread the love

لماذا تظل قرارات النساء حول أجسادهن موضوعًا للنقاش والجدل في المجتمعات العربية؟ كيف تتحول خيارات مثل اختيار الملابس، أو طريقة العيش، أو حتى المظهر الشخصي إلى قضايا تخضع للرقابة المجتمعية والتدخل القسري؟ هل يمكن الحديث عن حرية شخصية حقيقية في ظل مجتمع يفرض الوصاية على أجساد النساء، ويعتبر كل محاولة للخروج عن المعايير التقليدية تهديدًا للقيم والأعراف؟

في معظم المجتمعات العربية، لا يُنظر إلى جسد المرأة على أنه ملك لها، بل يُعتبر مسؤولية مشتركة للعائلة، والمجتمع، وحتى الدولة في بعض الحالات. تُفرض على النساء قواعد صارمة تحدد كيف يجب أن يظهرن في الفضاء العام، حيث يتم تبرير هذه القيود إما بحجج دينية، أو أخلاقية، أو حتى بـ”المصلحة العامة”، وكأن حرية المرأة في التصرف بجسدها تتعارض مع النظام الاجتماعي بأكمله.

تقرير صادر عن منظمة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط عام 2023 أشار إلى أن 85% من النساء في المنطقة العربية يشعرن بأن خياراتهن المتعلقة بالمظهر أو الملابس أو السلوك تخضع لمراقبة مجتمعية صارمة، حيث يواجهن ردود فعل سلبية إذا قررن الخروج عن القواعد التقليدية. في بعض الدول، تُفرض قوانين صارمة على لباس النساء، كما هو الحال في إيران وأفغانستان، بينما في دول أخرى مثل مصر والأردن، تُمارَس الضغوط الاجتماعية والعائلية بشكل غير رسمي لكنها لا تقل قوة عن القوانين.

تقول الباحثة اللبنانية هدى مكاوي، المتخصصة في علم الاجتماع الجندري، إن جسد المرأة يُستخدم في المجتمعات المحافظة كرمز للهوية الثقافية، مما يجعله ساحة للصراعات الأيديولوجية والسياسية. سواء كان الأمر يتعلق بالحجاب، أو بالملابس القصيرة، أو حتى بتصفيف الشعر، فإن جسد المرأة يصبح أداة لتحديد مدى “التزامها” بالمجتمع، مما يجعل النساء في مواجهة دائمة مع معايير مفروضة عليهن دون استشارة أو موافقة.

من الحجاب الإجباري إلى منع الحجاب: هل الحرية انتقائية؟

إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في موضوع التحرر الجسدي هي مسألة الحجاب، التي تتأرجح بين فرضه بالقوة في بعض الدول، ومنعه بالقوة في دول أخرى. في إيران والسعودية سابقًا، فُرض الحجاب على النساء كجزء من التشريعات الرسمية، بينما في دول مثل فرنسا وبلجيكا، تُفرض قيود على ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة، مما يجعل النساء في الحالتين محرومات من حرية الاختيار.

في تونس، رغم الطابع العلماني للدولة، لا تزال بعض المؤسسات تمنع النساء من ارتداء الحجاب في بعض القطاعات، بحجة الحفاظ على “الطابع الحداثي” للمجتمع. في المقابل، تواجه النساء غير المحجبات في دول أخرى ضغوطًا هائلة لارتداء الحجاب، حيث يُنظر إليهن كـ”متمردات” على القيم الدينية.

تقول الكاتبة السودانية نوال عوض، التي خاضت معارك شخصية ضد القوانين التي تفرض الحجاب في بلادها، إن المشكلة ليست في الحجاب بحد ذاته، بل في فرض أي خيار على المرأة، سواء كان إجبارها على ارتدائه أو منعه عنها. في النهاية، التحرر الجسدي يعني أن تملك المرأة الحق في اختيار ما يناسبها دون تدخل من الدولة أو المجتمع أو العائلة.

إلى جانب الضغوط العائلية والمجتمعية، تُستخدم القوانين في بعض الدول كأداة لقمع حرية المرأة في التحكم بجسدها. قوانين “الآداب العامة” و”الإخلال بالحياء” تُستخدم في بعض الدول العربية لمعاقبة النساء اللواتي يخترن أن يظهرن بمظهر مختلف عن المعايير المجتمعية المقبولة.

في مصر، تم اعتقال عدة شابات خلال السنوات الأخيرة بتهمة “التحريض على الفجور” فقط بسبب نشرهن صورًا أو مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي اعتبرها البعض “غير لائقة”. في المغرب، تواجه النساء اللاتي يرتدين ملابس جريئة مضايقات في الشارع، وفي بعض الحالات يتم استهدافهن قانونيًا بحجة “الإخلال بالحياء العام”. في الكويت، تمت ملاحقة ناشطات بسبب اختيارهن لملابس اعتُبرت غير مناسبة، في ظل قوانين غير واضحة حول “السلوك الأخلاقي” في الفضاء العام.

تقول المحامية الجزائرية ليلى بن عامر، المتخصصة في القوانين الجنائية، إن المشكلة في هذه التشريعات أنها تُفسَّر بشكل فضفاض، حيث يتم تطبيقها على النساء أكثر من الرجال، مما يجعلها أداة للتمييز الجندري المقنن. القوانين المتعلقة بالحياء العام غالبًا ما تكون غامضة بحيث تسمح بتطبيقها وفقًا للمعايير الذكورية السائدة، مما يجعل النساء عرضة للاستهداف القانوني والمجتمعي في أي وقت.

التحرر الجسدي كحق وليس كتمرد

في المجتمعات المحافظة، يتم تصوير أي محاولة لتحرير الجسد كتمرد على القيم والتقاليد، بدلاً من النظر إليها كحق إنساني أساسي. المرأة التي تختار أن ترتدي ما يناسبها، أو أن تعيش بأسلوب حياة يتماشى مع قناعاتها الشخصية، تواجه هجومًا شرسًا لأنها تهدد “النظام الأخلاقي” للمجتمع.

في العراق، حيث تواجه النساء قيودًا متزايدة على الملبس والسلوك، بدأت بعض الناشطات في التحدث علنًا عن حق المرأة في العيش بحرية دون أن تكون تحت وصاية المجتمع. في لبنان، رغم مساحة الحرية النسبية، لا تزال بعض النساء يتعرضن للمضايقات إذا قررن الخروج عن الأطر التقليدية، مما يعكس أن التحرر الجسدي ليس مرتبطًا فقط بالقوانين، بل أيضًا بالثقافة الاجتماعية السائدة.

تقول الباحثة التونسية سناء الرشيدي، التي تعمل في قضايا الجندر، إن معركة التحرر الجسدي ليست مجرد قضية فردية، بل هي جزء من نضال أوسع من أجل الحقوق الجندرية. عندما تمتلك المرأة حرية التحكم بجسدها، فإن ذلك يعكس مدى استقلاليتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. المشكلة ليست في الملابس أو المظهر، بل في السلطة الذكورية التي تريد أن تحتكر حق تقرير مصير النساء.

كيف يمكن تحقيق حرية الجسد في المجتمعات المحافظة؟

إعادة تعريف العلاقة بين الجسد والمجتمع تتطلب تغييرات جذرية في الفكر والسياسات، بحيث يتم الانتقال من مفهوم الوصاية إلى مفهوم الحرية الفردية. من الضروري أن تكون هناك حملات توعية قانونية واجتماعية لتعريف النساء بحقوقهن، وتعزيز فكرة أن الجسد ليس مساحة خاضعة للمراقبة المجتمعية، بل هو ملك للفرد وحده.

يجب أن تتوقف القوانين التي تُستخدم كأداة للتمييز الجندري ضد النساء، وأن يتم سن تشريعات تضمن حق المرأة في العيش بحرية دون تدخل تعسفي. كما يجب تعزيز الخطاب الإعلامي الذي يُبرز أهمية الحرية الشخصية، ويكسر الصور النمطية التي تجعل من تحرر المرأة تهديدًا للقيم الأخلاقية.

الخبير في السياسات الاجتماعية المغربي يوسف إبراهيمي يرى أن تغيير الفكر المجتمعي حول الجسد يتطلب وقتًا، لكنه ليس مستحيلًا. التجارب العالمية أثبتت أن المجتمعات التي منحت النساء حرية التحكم بأجسادهن لم تنهَر أخلاقيًا كما يدّعي المحافظون، بل تطورت بشكل أكثر عدالة ومساواة.

تحرير الجسد من القيود الاجتماعية والقانونية ليس مجرد قضية فردية، بل هو مؤشر على مدى تطور المجتمعات العربية في التعامل مع حقوق الإنسان والعدالة الجندرية. السؤال الذي يظل مطروحًا: هل يمكن أن يأتي يوم يتم فيه احترام حرية الجسد كحق طبيعي للمرأة، أم أن الوصاية ستظل أقوى من أي محاولة للتحرر؟

error: Content is protected !!