Spread the love

تواصل أسعار السلع الغذائية العالمية انخفاضها منذ بداية العام، مدفوعة بتراجع أسعار السكر والزيوت النباتية، وفق أحدث تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). إلا أن أسواق الحبوب العالمية تبدو في وضع أكثر تعقيدًا، حيث تواجه تحديات بسبب تراجع المخزونات العالمية، وانخفاض الطلب من كبار المستوردين مثل الصين وإندونيسيا ومصر.

ورغم أن مؤشر الفاو لأسعار الغذاء أظهر انخفاضًا بنسبة 1.6% في يناير/كانون الثاني، إلا أن الأسواق العالمية تعاني من اضطرابات في الطلب والتوريد، مما يثير تساؤلات حول مدى استقرار الأسعار في الأشهر المقبلة.

بحسب بيانات الفاو، بلغ متوسط مؤشر أسعار السلع الغذائية 124.9 نقطة في يناير/كانون الثاني، مقارنة بـ 127 نقطة في ديسمبر/كانون الأول، مما يعكس تراجعًا ملحوظًا.

انخفاض أسعار السكر بنسبة 6.8%، نتيجة تحسن المعروض العالمي بسبب الطقس المناسب في البرازيل والهند، مما أدى إلى زيادة الصادرات. كذلك تراجعت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 5.6%، لا سيما زيت النخيل وبذور اللفت، بينما ظلت أسعار زيت الصويا وزيت دوار الشمس مستقرة. وانخفاض أسعار اللحوم بنسبة 1.7%، في ظل وفرة الإنتاج وتحسن الإمدادات.

إلا أن هذا الانخفاض لم يشمل جميع القطاعات، حيث ارتفعت أسعار منتجات الألبان بنسبة 2.4% على أساس شهري، مدفوعة بزيادة أسعار الجبن، كما شهدت أسعار الحبوب ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.3%، مدفوعة بانخفاض إنتاج الذرة في الولايات المتحدة.

أسواق الحبوب تحت الضغط: مخاوف من تراجع الإمدادات

في تقرير منفصل، خفضت الفاو توقعاتها لإنتاج الحبوب العالمي في 2024 إلى 2.840 مليار طن، مقارنة بـ 2.841 مليار طن في التقديرات السابقة. وأرجعت المنظمة هذا التراجع إلى انخفاض إنتاج الذرة في الولايات المتحدة، وهو ما يزيد من الضغوط على الأسواق العالمية.

لكن المعضلة الأكبر تتمثل في انخفاض المخزونات العالمية للحبوب بنسبة 2.2%، مما يزيد من القلق بشأن قدرة الدول المستوردة على تأمين إمداداتها في المستقبل.

يقول المحلل الاقتصادي في أسواق السلع، أحمد بدر الدين: “رغم أن الأسعار العالمية تبدو مستقرة، فإن الانخفاض في المخزونات العالمية، إلى جانب تباطؤ الطلب في الصين وإندونيسيا، قد يخلق حالة من عدم الاستقرار في الأسواق، مما قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار خلال النصف الثاني من العام.”

تشير التوقعات إلى انخفاض الطلب على الحبوب عالميًا، مدفوعًا بعدة عوامل، فالصين من المتوقع أن تخفض وارداتها من القمح بنسبة 37% في 2025 بسبب تحسن الإنتاج المحلي ووفرة المخزون. وإندونيسيا بعد تراجع إنتاج الأرز العام الماضي، من المتوقع أن يرتفع الإنتاج في 2024 إلى 32.8 مليون طن، مما يقلل الاعتماد على القمح المستورد. أما مصر فرغم استمرار الحكومة في شراء القمح، إلا أن الأزمة الاقتصادية وتراجع التمويل الخارجي قد يدفعانها إلى تقليل الواردات.

يقول المحلل الزراعي في البنك الدولي، ماهر الطويل: “الدول المستوردة للحبوب بدأت تعتمد أكثر على الإنتاج المحلي، مما سيؤثر على حجم التجارة الدولية في الحبوب، لا سيما مع استمرار ارتفاع تكاليف النقل وانخفاض عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار.”

كيف تتأثر الدول العربية؟ تراجع الواردات وتأثير الأوضاع الاقتصادية

تعتمد مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، على الأسواق العالمية لتلبية احتياجاتها. إلا أن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن تراجع قيمة الجنيه المصري والتضخم المرتفع دفعت الحكومة إلى تقليل المشتريات من السوق الدولية.

في ديسمبر/كانون الأول، اشترت الحكومة المصرية 1.267 مليون طن من القمح، وهو ما يكفي حتى يونيو/حزيران، لكن من المتوقع أن تنخفض وارداتها خلال العام الجاري.

يقول المحلل الاقتصادي الألماني، رود بيكر: “مصر تواجه تحديات اقتصادية حقيقية، حيث تحتاج إلى دعم مالي خارجي للحفاظ على وتيرة استيراد القمح. ومع ذلك، فإن تراجع النمو الاقتصادي قد يدفع الحكومة إلى البحث عن بدائل أخرى، مثل زيادة الإنتاج المحلي.”

على عكس مصر، أعلنت الحكومة العراقية أنها لن تستورد القمح في 2024 بسبب وفرة الإنتاج المحلي، حيث بلغ فائض المحصول 1.5 مليون طن، وهو ما قد يقلل الاعتماد على الأسواق العالمية.

يقول الخبير الزراعي العراقي، محمد العاني: “إذا استمر العراق في تحقيق الاكتفاء الذاتي، فقد يكون ذلك نموذجًا تحتذي به الدول الأخرى، مما قد يقلل الضغط على أسواق القمح العالمية.”

مع استمرار تراجع أسعار السلع الغذائية العالمية، وانخفاض الطلب على الحبوب في الصين وإندونيسيا ومصر، يبدو أن الأسواق تشهد تحولات هيكلية قد تؤثر على توزيع الإنتاج والطلب العالمي.

ورغم التراجع في الأسعار، إلا أن الانخفاض في المخزونات العالمية والاضطرابات الجيوسياسية قد يجعلان الأسواق أكثر عرضة للصدمات المستقبلية.

وفي ظل هذا الوضع، يبقى السؤال الأهم، هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحقيق استقرار مستدام في أسواق الغذاء، أم أن التقلبات القادمة قد تعيد خلط الأوراق من جديد؟

error: Content is protected !!