Spread the love

كيف تؤثر المناهج التعليمية على تكريس الأدوار النمطية للجنسين في المجتمعات العربية؟ لماذا لا تزال الفتيات يُشجَّعن على دراسة مواد “أنثوية” مثل الأدب واللغات، بينما يتم دفع الفتيان نحو العلوم والتكنولوجيا؟ هل يمكن للتعليم أن يكون أداة لتغيير الصور النمطية حول دور المرأة والرجل، أم أن المدارس هي أحد أبرز أسباب استمرار الفجوة الجندرية؟

في العديد من الدول العربية، لا تزال المناهج الدراسية تكرّس الأفكار التقليدية حول دور المرأة والرجل في المجتمع. الكتب المدرسية غالبًا ما تُظهر النساء في أدوار تقليدية مثل الأم أو المعلمة أو الممرضة، بينما يُصوَّر الرجال كعلماء، وأطباء، وقادة سياسيين. هذه الصور تساهم في تشكيل وعي الأطفال منذ الصغر، حيث يتم زرع فكرة أن بعض المهن والتخصصات مناسبة للذكور، بينما أخرى تقتصر على الإناث.

تقرير صادر عن منظمة اليونسكو عام 2023 أشار إلى أن 78% من الكتب المدرسية في العالم العربي تحتوي على صور نمطية تكرّس التمييز الجندري، حيث يتم تصوير النساء غالبًا كراعيات للأسرة، وليس كأفراد مستقلين قادرين على تحقيق النجاح المهني والعلمي.

تقول الباحثة المصرية نهى عبد اللطيف، المتخصصة في قضايا التعليم والجندر، إن المشكلة لا تتعلق فقط بالمناهج، بل أيضًا بطريقة التدريس نفسها. العديد من المعلمين والمعلمات يرسّخون الأفكار التقليدية دون وعي، حيث يتم تشجيع الفتيات على التحلي بـ”الأدب والخجل”، بينما يُحفَّز الفتيان على أن يكونوا “قادة وأصحاب قرار”.

الفصل بين الجنسين في المدارس: تعزيز الهوية أم تكريس الفجوة؟

في بعض الدول، لا تزال المدارس تعتمد على الفصل بين الجنسين، حيث يُنظر إلى ذلك على أنه وسيلة “لحماية القيم الأخلاقية”، لكنه في الواقع يساهم في تعزيز الفجوة الجندرية. عندما يتم تعليم الفتيات والفتيان في بيئات منفصلة، يتم تكريس فكرة أن كل جنس له دور منفصل في المجتمع، مما يجعل من الصعب لاحقًا تحقيق المساواة في سوق العمل أو في العلاقات الاجتماعية.

في السعودية، حيث كان التعليم مفصولًا بين الجنسين لعقود، بدأت بعض الجامعات في إدخال برامج مختلطة لتعزيز فرص النساء في المجالات العلمية والتكنولوجية. لكن في دول أخرى مثل السودان واليمن، لا تزال الفصول المختلطة نادرة، مما يقلل من فرص الفتيات في التفاعل مع مجالات مهنية وتقنية يتم تدريسها عادة في بيئات ذكورية.

تقول الباحثة الجزائرية نادية بلحاج، التي تدرس تأثير الفصل بين الجنسين على التعليم، إن العزل لا يؤدي فقط إلى تكريس الفجوة الجندرية، بل يجعل من الصعب على الفتيات تطوير مهارات القيادة والتفاوض، حيث يتم تلقينهن منذ الصغر أن عليهن البقاء في “مساحات آمنة”، بعيدًا عن المجالات التنافسية التي يهيمن عليها الرجال.

لماذا لا تزال التربية الجنسية والجندرية غائبة عن المدارس العربية؟

إحدى القضايا التي يتم تجاهلها في المناهج العربية هي التربية الجندرية والجنسية، حيث يُنظر إليها غالبًا على أنها “مواضيع حساسة” لا يجب تدريسها للأطفال والمراهقين. نتيجة لذلك، يكبر العديد من الشباب دون فهم حقيقي للهوية الجندرية أو للأدوار الاجتماعية، مما يجعلهم عرضة لتبني الأفكار النمطية السائدة دون أي وعي نقدي.

في مصر، لا تزال بعض المدارس ترفض تدريس أي محتوى يتعلق بالجندر أو الهوية الجنسية، بحجة أن ذلك يتعارض مع القيم الأخلاقية. في العراق، يُعتبر الحديث عن الجندر في المدارس مسألة شبه ممنوعة، حيث يُواجه المعلمون الذين يحاولون مناقشة هذه القضايا ردود فعل عنيفة من الأهالي والمجتمع. في لبنان، ورغم مساحة الحرية النسبية، لا تزال التربية الجندرية مقتصرة على بعض المدارس الخاصة، بينما تُهملها المناهج الحكومية تمامًا.

تقول الناشطة الأردنية رُلى الزعبي، التي تعمل في مجال التوعية الجندرية، إن غياب التربية الجندرية في المدارس يجعل الأجيال الجديدة تتبنى مفاهيم خاطئة حول الأدوار الجندرية، حيث يتم تعليم الفتيات أن وظيفتهن الأساسية هي الزواج والأمومة، بينما يتم دفع الفتيان إلى تبني سلوكيات ذكورية مهيمنة.

حتى بعد انتهاء المرحلة المدرسية، تستمر الفجوة الجندرية في الظهور في التخصصات الجامعية، حيث يتم توجيه النساء نحو مجالات محددة مثل التعليم، والصحة، والفنون، بينما يتم دفع الرجال إلى الهندسة، والبرمجة، والعلوم التطبيقية.

في تونس، رغم ارتفاع نسبة الفتيات في الجامعات، إلا أن نسبة النساء في كليات الهندسة لا تتجاوز 25%، بينما تصل نسبة الفتيات في كليات التربية إلى أكثر من 70%. في الأردن، تظل النساء أقل تمثيلًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، حيث يتم توجيههن إلى تخصصات “أنثوية” أكثر مثل التصميم الداخلي أو الموارد البشرية.

تقول الباحثة السودانية لمياء حسن، المتخصصة في تحليل السياسات التعليمية، إن توجيه النساء نحو تخصصات معينة لا يتم فقط بسبب الاهتمامات الشخصية، بل هو نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية تجعل من الصعب على الفتيات دخول مجالات تتطلب جرأة وتحديًا للمعايير التقليدية.

كيف يمكن تغيير الصورة النمطية من خلال التعليم؟

لإحداث تغيير حقيقي في التربية الجندرية، يجب أن يتم إصلاح المناهج الدراسية بحيث تصبح أكثر شمولًا، وتعكس أدوارًا أكثر توازنًا بين الجنسين. يجب أن تتضمن الكتب المدرسية صورًا ونماذج لنساء ناجحات في مختلف المجالات، بحيث لا تقتصر الأدوار النسائية على الوظائف التقليدية.

كما يجب تدريب المعلمين على كيفية التعامل مع التربية الجندرية بطريقة تحترم التنوع ولا تعزز الأفكار النمطية. يجب أن تكون هناك برامج توعوية تُعرِّف الطلاب والطالبات بحقوقهم وواجباتهم، بحيث يكبرون بفهم متوازن لدورهم في المجتمع، بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي تفرض عليهم منذ الطفولة.

الخبير التربوي اللبناني حسن عالية يرى أن التغيير في التربية الجندرية يجب أن يبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة، حيث يتم تعليم الأطفال أن الذكاء والقدرة لا يقتصران على جنس معين، وأن أي شخص يمكنه تحقيق النجاح بغض النظر عن جنسه. التربية الجندرية لا تعني “إلغاء الفروقات”، بل تعني السماح للأفراد بأن يكونوا أحرارًا في اختيار مساراتهم بناءً على إمكانياتهم الحقيقية، وليس بناءً على معايير مجتمعية مسبقة.

رغم أن المدارس هي واحدة من أهم الأدوات التي يمكن أن تساهم في تقليل الفجوة الجندرية، إلا أنها لا تزال حتى اليوم واحدة من أكثر المؤسسات التي تعيد إنتاج التمييز بين الجنسين. إصلاح التعليم بحيث يصبح أكثر وعيًا بالجندر ليس رفاهية، بل هو ضرورة لضمان مستقبل أكثر عدالة ومساواة.

السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل يمكن أن يأتي يوم يتم فيه تعليم الأجيال القادمة أن الفتى والفتاة متساويان في الفرص والحقوق منذ الطفولة، أم أن المدارس ستظل تستمر في تلقينهم نفس الأفكار التي كرّست التمييز لقرون؟

error: Content is protected !!