Spread the love

في ظل تزايد الطلب العالمي على المعادن النادرة التي تُستخدم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، مثل البطاريات الكهربائية والهواتف الذكية والألواح الشمسية، بدأت الشركات والحكومات في البحث عن مصادر جديدة لتلبية هذا الطلب المتزايد. ومع استنفاد الكثير من الموارد المعدنية على سطح الأرض، توجهت الأنظار إلى قاع المحيطات، حيث تُخزَّن كميات هائلة من المعادن النادرة في شكل عقيدات معدنية مترسبة على أعماق تصل إلى آلاف الأمتار. لكن هذا التوجه الصناعي الجديد يثير جدلًا واسعًا، إذ يرى البعض فيه فرصة ثورية لتأمين الموارد المستقبلية، بينما يحذر آخرون من أنه قد يكون كارثة بيئية مدمرة تؤثر على النظم البيئية البحرية بطرق لا يمكن إصلاحها. فهل التعدين في قاع البحار يمثل قفزة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا، أم أنه خطوة جديدة نحو تدمير البيئة البحرية؟

على مدار العقود الماضية، أدى التوسع في الصناعات التكنولوجية إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على المعادن مثل الكوبالت، والنيكل، والمنغنيز، والليثيوم، التي تُستخدم في تصنيع البطاريات القابلة لإعادة الشحن وتوربينات الرياح والمركبات الكهربائية. مع تراجع احتياطيات هذه المعادن على اليابسة، وارتفاع تكلفة استخراجها، بدأ البحث عن بدائل أخرى، وبرزت أعماق المحيطات كحل واعد نظرًا لاحتوائها على كميات ضخمة من هذه العناصر.

تشير التقديرات إلى أن قاع المحيط الهادئ وحده يحتوي على ما يقارب 500 مليار طن من العقيدات المعدنية الغنية بالمعادن النادرة، والتي يمكن أن تلبي الطلب العالمي لعقود قادمة. بعض الشركات الكبرى بدأت بالفعل في تنفيذ مشاريع تجريبية لاستخراج هذه المعادن، مستغلة التطور السريع في تقنيات الروبوتات تحت الماء والغواصات الآلية التي يمكنها التنقيب في الأعماق دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.

يقول الدكتور منير الحاج، أستاذ هندسة التعدين بجامعة بيروت، إن “التعدين في قاع البحار قد يكون حلاً لمشكلة ندرة الموارد المعدنية، لكنه لا يزال يواجه تحديات تقنية وبيئية هائلة. لم نصل بعد إلى مرحلة يمكننا فيها ضمان استخراج هذه المعادن دون التسبب في أضرار كارثية للبيئة البحرية”.

ما المخاطر البيئية للتعدين في المحيطات؟

رغم الإغراء الاقتصادي الذي يمثله التعدين في أعماق البحار، فإن العلماء يحذرون من أن هذه العمليات قد تكون لها عواقب بيئية خطيرة لا يمكن عكسها. أحد أكبر المخاوف هو التأثير المدمر على النظم البيئية البحرية الهشة التي تطورت على مدار ملايين السنين.

قاع المحيط ليس مجرد أرضية صلبة تحتوي على معادن، بل هو موطن لأنواع فريدة من الكائنات البحرية التي تعتمد على التوازن البيئي الدقيق للبقاء على قيد الحياة. عمليات التعدين، التي تشمل جرف العقيدات المعدنية من القاع وضخ الرواسب إلى السطح، قد تدمر موائل هذه الكائنات تمامًا، ما قد يؤدي إلى فقدان أنواع لم تُدرس بعد، وربما إلى انقراض بعضها قبل أن نتمكن من فهم دوره في النظام البيئي.

كما أن تحريك الرواسب في قاع البحر يؤدي إلى تكوين سحب ضخمة من الجزيئات الدقيقة التي تنتشر في المياه العميقة، مما يقلل من القدرة على امتصاص الضوء، ويؤثر على الكائنات التي تعتمد على التصفية في التغذية، مثل الشعاب المرجانية العميقة والرخويات البحرية. هذا قد يؤدي إلى اختلال سلاسل الغذاء البحرية، ما يؤثر على حياة الأسماك والثدييات البحرية، ويمتد تأثيره إلى النظام البيئي بأكمله.

يؤكد الدكتور جلال الزهراني، الخبير في علم البيئة البحرية بجامعة جدة، أن “الأنظمة البيئية في قاع المحيطات حساسة للغاية، والتدخل البشري قد يؤدي إلى تدميرها بطريقة لا رجعة فيها. لا نملك حتى الآن معلومات كافية عن تأثيرات التعدين طويلة المدى، لكن التجارب الأولية تشير إلى أن الأضرار قد تكون أكبر بكثير مما نتوقع”.

مع تصاعد القلق بشأن التأثيرات البيئية للتعدين في أعماق البحار، بدأت بعض الشركات والباحثين في البحث عن بدائل أكثر استدامة لاستخراج المعادن. أحد الحلول المطروحة هو تعزيز إعادة تدوير المعادن النادرة من الأجهزة الإلكترونية القديمة، بدلاً من البحث عن موارد جديدة. حاليًا، يتم إعادة تدوير أقل من 20% من المعادن النادرة، ما يعني أن هناك مجالًا واسعًا لتحسين هذا القطاع وتقليل الحاجة إلى التعدين في المناطق البيئية الحساسة.

في الوقت نفسه، بدأت بعض الشركات في تطوير تقنيات التعدين البيولوجي، التي تعتمد على استخدام البكتيريا والكائنات الحية الدقيقة لاستخراج المعادن من النفايات الإلكترونية بطريقة أكثر أمانًا وأقل تأثيرًا على البيئة. هذا النهج لا يزال في مراحله الأولى، لكنه قد يمثل بديلًا مستقبليًا أكثر استدامة إذا تم تطويره على نطاق واسع.

يقول الدكتور نادر العتيبي، الباحث في اقتصاد الموارد الطبيعية بجامعة الدوحة، إن “الاعتماد على إعادة التدوير والتقنيات البديلة قد يكون أكثر استدامة من التعدين في المحيطات. المشكلة تكمن في أن السوق يركز على الأرباح قصيرة الأجل، بينما تتطلب الحلول البيئية استثمارات طويلة الأمد قد لا تكون مغرية للمستثمرين حاليًا”.

هل يمكن تنظيم التعدين في البحار بطريقة مستدامة؟

مع تزايد الاهتمام بالتعدين البحري، بدأت المنظمات الدولية في محاولة وضع قواعد لتنظيم هذه الصناعة الناشئة. الهيئة الدولية لقاع البحار، التي تُشرف على استغلال الموارد المعدنية في أعماق المحيطات، تعمل على تطوير إطار قانوني يضمن تقليل التأثيرات البيئية، لكن هناك مخاوف من أن بعض الدول والشركات قد تتجاوز هذه القواعد في سعيها لتحقيق أرباح سريعة.

في بعض المناطق، مثل المحيط الهادئ، بدأت بعض الدول الجزرية الصغيرة في الاحتجاج على أنشطة التعدين البحري، حيث تخشى من أن هذه العمليات قد تدمر بيئاتها البحرية التي يعتمد سكانها على صيد الأسماك والسياحة البيئية كمصادر رئيسية للدخل. بعض هذه الدول دعت إلى فرض حظر عالمي مؤقت على التعدين في قاع البحار، حتى يتم إجراء المزيد من الأبحاث حول تأثيراته المحتملة.

بينما تبدو فكرة استخراج المعادن من المحيطات مغرية من الناحية الاقتصادية، إلا أنها تطرح أسئلة أخلاقية وبيئية لا يمكن تجاهلها. هل يمكن أن تبرر الحاجة إلى الموارد التكنولوجية تدمير بيئات بحرية عمرها ملايين السنين؟ هل ستنجح الجهود الدولية في تنظيم التعدين البحري بطريقة تحافظ على التوازن البيئي، أم أن السباق نحو المعادن النادرة سيؤدي إلى كارثة بيئية جديدة؟

السؤال الأساسي الذي يواجه العالم اليوم هو: هل سنتمكن من تحقيق التوازن بين التنمية الصناعية وحماية المحيطات؟ إذا لم يتم التعامل مع هذه القضية بحذر، فقد نجد أنفسنا أمام واقع تكون فيه التكنولوجيا الحديثة قد تقدمت، بينما فقدت البشرية واحدة من أغنى النظم البيئية على كوكب الأرض.

error: Content is protected !!