في عالم يزداد اعتمادًا على الإضاءة الاصطناعية، أصبحت المدن الكبرى تضيء سماء الليل كما لو كان النهار لا ينتهي. رغم الفوائد التي جلبتها الإضاءة الكهربائية لتطوير المجتمعات وتحسين جودة الحياة، إلا أن انتشارها المفرط أدى إلى مشكلة بيئية غير مرئية بالعين المجردة، لكنها تحمل عواقب وخيمة على الصحة البشرية والحياة البرية، وهي التلوث الضوئي. هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على قدرتنا على رؤية النجوم، بل تمتد آثارها إلى اضطرابات النوم، وتغيرات في النظم البيئية، وحتى تهديد استقرار بعض الأنواع الحيوانية. فكيف تحول الضوء، الذي كان رمزًا للتقدم، إلى خطر بيئي غير محسوب؟
مع توسع المدن والتطور التكنولوجي، ازداد استخدام الإضاءة الاصطناعية في الشوارع، والمباني، والمصانع، ولوحات الإعلانات، ما أدى إلى انتشار الضوء في جميع الاتجاهات، حتى في الأماكن التي لا تحتاج إلى إضاءة. بعض التقنيات الحديثة، مثل مصابيح LED، زادت من حدة هذه الظاهرة، حيث أنها أكثر سطوعًا من المصابيح التقليدية وتبقى مضاءة لفترات أطول.
تشير التقارير البيئية إلى أن 80% من سكان العالم يعيشون في مناطق تتعرض لمستويات مرتفعة من التلوث الضوئي، وأن ثلث سكان الأرض لم يعودوا قادرين على رؤية درب التبانة بسبب الإضاءة الاصطناعية المتزايدة. هذه الظاهرة ليست فقط مشكلة بصرية، بل تؤثر على التوازن البيئي والصحة العامة بطرق لا يدركها كثيرون.
يقول الدكتور إياد المصري، أستاذ الفيزياء البيئية بجامعة القاهرة، إن “التلوث الضوئي ليس مجرد إزعاج بصري، بل هو عامل يؤثر على إيقاع الساعة البيولوجية للإنسان والكائنات الأخرى. الزيادة المفرطة في الإضاءة خلال الليل تعطل الإنتاج الطبيعي لهرمون الميلاتونين، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم وتأثيرات سلبية على الصحة”.
التأثيرات الصحية للتلوث الضوئي
رغم أن التلوث الضوئي قد يبدو أقل تهديدًا مقارنة بتلوث الهواء أو المياه، إلا أن آثاره على الصحة البشرية لا تقل خطورة. الأبحاث العلمية أثبتت أن التعرض المفرط للإضاءة الليلية يربك الساعة البيولوجية، وهي النظام الداخلي الذي يتحكم في دورة النوم والاستيقاظ، ما يؤدي إلى اضطرابات النوم المزمنة، والتي بدورها ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب، والسمنة، والسكري، وحتى بعض أنواع السرطان.
الدراسات الطبية وجدت أيضًا أن التلوث الضوئي يؤثر على إنتاج الميلاتونين، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم النوم وتعزيز المناعة. انخفاض مستويات هذا الهرمون قد يسبب مشكلات صحية مثل القلق والاكتئاب، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض التمثيل الغذائي.
يؤكد الدكتور سامي جابر، أستاذ طب النوم بجامعة بيروت، أن “الإضاءة الاصطناعية المستمرة تؤدي إلى تداخل في دورة النوم الطبيعية، مما يزيد من حالات الأرق واضطرابات النوم. الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ذات إضاءة زائدة يعانون من معدلات أعلى من الأمراض المزمنة مقارنة بأولئك الذين يعيشون في بيئات أكثر ظلامًا خلال الليل”.
لم تقتصر تأثيرات التلوث الضوئي على البشر فحسب، بل امتدت لتشمل الحياة البرية، حيث تأثرت آلاف الأنواع الحيوانية باضطراب أنماطها الطبيعية بسبب الإضاءة الاصطناعية المستمرة. الطيور المهاجرة، على سبيل المثال، تعتمد على ضوء النجوم والقمر لتحديد اتجاهها، لكن مع تزايد الإضاءة في المدن، أصبحت هذه الطيور تفقد قدرتها على التنقل بشكل صحيح، مما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة منها بعد اصطدامها بالمباني الشاهقة.
في المناطق الساحلية، تواجه صغار السلاحف البحرية تحديات خطيرة بسبب التلوث الضوئي، حيث أنها تعتمد على ضوء القمر للوصول إلى المحيط بعد الفقس. لكن مع وجود الأضواء الاصطناعية على الشواطئ، تتجه السلاحف الصغيرة نحو المدن بدلاً من البحر، مما يعرضها للموت قبل أن تصل إلى المياه.
أما الحشرات الليلية، التي تلعب دورًا أساسيًا في التوازن البيئي من خلال التلقيح والتحكم في أعداد الآفات، فقد تراجعت أعدادها بشكل ملحوظ بسبب الانجذاب غير الطبيعي للأضواء الاصطناعية، مما أثر على سلاسل الغذاء الطبيعية وأدى إلى تراجع أعداد بعض الطيور التي تعتمد عليها كمصدر غذائي.
يقول الدكتور نزار العلي، الباحث في علم البيئة بجامعة الكويت، إن “التلوث الضوئي يتسبب في اضطراب السلوكيات الطبيعية للحيوانات، مما يؤدي إلى تقليل أعدادها وتغير أنماط تكاثرها. التأثير ليس فرديًا، بل ينعكس على النظم البيئية ككل، حيث تتأثر سلاسل الغذاء والتوازن البيولوجي بسبب تغير سلوكيات الأنواع المختلفة”.
هل يمكن الحد من التلوث الضوئي؟
رغم أن التلوث الضوئي قد يبدو مشكلة مستعصية بسبب توسع المدن وزيادة استخدام الإضاءة الاصطناعية، إلا أن هناك حلولًا عملية يمكن أن تساعد في التخفيف من آثاره. بعض المدن بدأت بالفعل في اعتماد إضاءة ذكية تقلل من التلوث الضوئي عبر استخدام مستشعرات تحدد متى يجب تشغيل الإضاءة ومتى يمكن تقليلها.
في أوروبا، تبنت بعض المدن مثل برلين وباريس سياسات لإطفاء أضواء المباني غير الضرورية بعد منتصف الليل، مما قلل من انبعاثات الضوء وساعد في استعادة جزء من السماء الليلية. في بعض المحميات الطبيعية، تم إنشاء “مناطق سماء مظلمة” حيث يتم تقليل الإضاءة الاصطناعية للحفاظ على الحياة البرية والسماح للعلماء بمراقبة النجوم بشكل أفضل.
على المستوى الشخصي، يمكن للأفراد المساهمة في الحد من التلوث الضوئي عبر استخدام إضاءة منخفضة الطاقة، وإطفاء الأضواء غير الضرورية، وتركيب ستائر سميكة للحد من تسرب الضوء إلى الخارج.
يؤكد الدكتور جلال حمزة، المتخصص في الدراسات البيئية بجامعة عمان، أن “الحل لا يكمن فقط في تقليل كمية الضوء، بل في إعادة تصميم الطريقة التي نستخدم بها الإضاءة في المدن، بحيث تكون أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة والصحة”.
مع تزايد الوعي بمخاطر التلوث الضوئي، بدأت بعض الحكومات والمنظمات البيئية في اتخاذ خطوات لتقليل آثاره، لكن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق توازن بين احتياجات المدن الحديثة ومتطلبات البيئة والصحة العامة.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يمكن للمدن أن تتبنى نموذجًا مستدامًا للإضاءة يحترم إيقاع الطبيعة ويحمي صحة الإنسان؟ إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جادة، فقد نجد أنفسنا أمام مستقبل تفقد فيه الأرض ليس فقط سماءها الليلية، بل أيضًا التوازن البيئي الذي تعتمد عليه جميع الكائنات الحية، بما في ذلك البشر أنفسهم.