في عالم تسيطر عليه الصراعات السياسية والاقتصادية، عادةً ما يتم تجاهل البعد البيئي في العلاقات الدولية، رغم أنه قد يكون أحد المفاتيح غير التقليدية لتحقيق السلام والتعاون بين الدول. مع تصاعد الأزمات البيئية، مثل تغير المناخ، والتصحر، ونقص الموارد الطبيعية، بدأت بعض الحكومات تدرك أن التعاون البيئي قد يكون وسيلة لتخفيف حدة النزاعات، وربما حتى حلها. لكن، هل يمكن للبيئة أن تصبح أداة دبلوماسية فاعلة، أم أنها مجرد نظرية مثالية لا تتناسب مع الواقع السياسي المعقد؟
لطالما كانت الموارد الطبيعية، مثل المياه والغابات والأراضي الزراعية، سببًا رئيسيًا في اندلاع الصراعات، خاصة في المناطق التي تعاني من شح الموارد. في الشرق الأوسط وإفريقيا، أدى التنافس على مصادر المياه، مثل نهر النيل ونهر الفرات، إلى توترات سياسية بين الدول، بينما شكلت الموارد الطبيعية دافعًا رئيسيًا للصراعات المسلحة في دول مثل السودان والكونغو.
لكن، على الجانب الآخر، هناك أمثلة على كيفية استخدام التعاون البيئي كوسيلة لبناء الجسور بين الدول المتنازعة. في حوض نهر الأردن، ورغم التوترات المستمرة بين إسرائيل والأردن وفلسطين، تم تنفيذ مشاريع بيئية مشتركة لمعالجة نقص المياه، حيث يتم تبادل التقنيات الحديثة لتحلية المياه وإعادة تدويرها. هذه المشاريع، رغم محدوديتها، ساهمت في تخفيف التوترات، وخلقت قنوات للحوار الدبلوماسي غير المباشر.
في أمريكا اللاتينية، نجحت كولومبيا والإكوادور في استخدام مشاريع إعادة التشجير كوسيلة للتعاون، بعد سنوات من التوترات الحدودية. هذا النوع من الدبلوماسية البيئية، الذي يركز على القضايا المشتركة بدلًا من الخلافات السياسية، أتاح فرصة للحوار وتخفيف الاحتقان بين البلدين.
يقول الدكتور إبراهيم السالمي، أستاذ العلاقات الدولية والبيئة بجامعة البحرين، إن “البيئة يمكن أن تكون ساحة محايدة تجمع الدول المتنازعة، حيث أن التحديات البيئية لا تعترف بالحدود السياسية. عندما تدرك الحكومات أن التغير المناخي أو ندرة الموارد تهدد الجميع، يصبح التعاون ضرورة وليس خيارًا”.
المياه: ساحة للصراع أم فرصة للتعاون؟
تعتبر المياه واحدة من أكثر القضايا البيئية التي يمكن أن تتحول إلى صراع أو فرصة للتعاون. مع تزايد الضغط على الموارد المائية بسبب تغير المناخ وزيادة السكان، تتزايد التوترات بين الدول التي تتشارك أحواض الأنهار. لكن بدلًا من أن تكون المياه سببًا في النزاعات، يمكن أن تكون حافزًا للتعاون الإقليمي.
في إفريقيا، ورغم التوترات حول سد النهضة الإثيوبي، هناك مبادرات لخلق تعاون بين دول حوض النيل عبر مشاريع مشتركة للإدارة المستدامة للمياه، بمشاركة دول مثل مصر والسودان وإثيوبيا. هذه الجهود لا تزال محدودة، لكنها تُظهر إمكانية أن تصبح الموارد المائية وسيلة لتعزيز الحوار بدلًا من أن تكون مصدرًا للصراع.
أما في آسيا، فقد استطاعت الهند وبنغلاديش التوصل إلى اتفاقيات لتقاسم المياه في دلتا نهر الجانج، بعد عقود من الخلافات. هذه الاتفاقيات لم تنهِ جميع المشاكل، لكنها وفرت إطارًا مشتركًا لإدارة المياه، مما ساعد في بناء الثقة بين البلدين.
يؤكد الدكتور سامي الخطيب، الباحث في الأمن المائي بجامعة صلالة، أن “التحكم في الموارد المائية لا يجب أن يكون وسيلة للهيمنة، بل يمكن أن يكون حافزًا لإيجاد حلول مشتركة. الدول التي تتبنى نهجًا تعاونيًا في إدارة المياه تحقق استقرارًا أكبر من تلك التي تنظر إلى المياه كأداة للصراع”.
الطاقة الخضراء: مجال جديد للدبلوماسية الدولية؟
مع تزايد الاهتمام بالطاقة المتجددة، بدأت بعض الدول تستخدم مشاريع الطاقة الخضراء كوسيلة لتعزيز علاقاتها مع جيرانها. في أوروبا، على سبيل المثال، تعمل ألمانيا وفرنسا على مشاريع مشتركة لتطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يخلق تكاملًا اقتصاديًا يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي.
في العالم العربي، بدأت الإمارات والسعودية ومصر في الاستثمار في مشاريع للطاقة الشمسية قد تساعد في تعزيز التعاون الإقليمي. في شمال إفريقيا، يعمل المغرب على تصدير الكهرباء المولدة من مصادر متجددة إلى أوروبا، مما يخلق فرصًا اقتصادية قد تساعد في تقوية العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأوروبية.
يقول الدكتور راسم العزاوي، أستاذ الطاقة المستدامة بجامعة بغداد، إن “الطاقة المتجددة يمكن أن تكون عاملًا للاستقرار، حيث أنها تخلق فرصًا للتعاون بدلًا من التنافس على الموارد التقليدية مثل النفط والغاز. إذا تمكنت الدول العربية من بناء شبكة طاقة مشتركة تعتمد على مصادر نظيفة، فإن ذلك قد يفتح المجال لشراكات استراتيجية طويلة الأمد”.
رغم نجاح بعض المشاريع البيئية في تخفيف التوترات بين الدول، لا يزال هذا النهج يواجه تحديات كبيرة. بعض الحكومات لا تزال تنظر إلى الموارد الطبيعية من منظور السيادة الوطنية بدلًا من التعاون المشترك، مما يجعل من الصعب تبني سياسات بيئية إقليمية. كما أن بعض الدول الكبرى تستغل القضايا البيئية كأدوات للضغط السياسي، ما يجعل الدبلوماسية البيئية عرضة للتلاعب السياسي.
لكن رغم هذه العقبات، فإن تصاعد التهديدات البيئية قد يجعل التعاون في هذا المجال ضرورة لا مفر منها. مع ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الكوارث الطبيعية، وتفاقم مشكلات ندرة المياه، يصبح من الواضح أن الحلول البيئية لا يمكن أن تكون محلية فقط، بل يجب أن تكون عالمية.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل ستدرك الدول أهمية استخدام البيئة كأداة للحوار والسلام قبل فوات الأوان، أم أن المصالح السياسية ستظل تعيق أي فرصة لتعاون حقيقي؟ مع استمرار تفاقم الأزمات البيئية، قد يكون الوقت قد حان لإعادة تعريف الدبلوماسية ليس فقط من منظور سياسي، بل أيضًا من منظور بيئي، حيث تصبح الطبيعة نفسها جسرًا للتواصل بدلًا من أن تكون ساحة للصراع.