Spread the love

لماذا لا تزال الصحة الجنسية والإنجابية من المواضيع المحرمة في المجتمعات العربية؟ كيف يؤثر غياب التوعية والخدمات الطبية على النساء، سواء في قرارات الإنجاب أو في الوقاية من الأمراض؟ لماذا تُعامل قضايا الصحة الجنسية كأمور ثانوية أو حتى غير مشروعة، بينما تعتبر جزءًا أساسيًا من الرعاية الصحية في العديد من دول العالم؟ هل يمكن للمرأة العربية أن تمتلك الحق في تقرير مصيرها الإنجابي دون مواجهة القيود الاجتماعية والتشريعية؟

رغم التطور الذي شهدته بعض الدول العربية في مجال حقوق المرأة، إلا أن قضايا الصحة الجنسية لا تزال محاطة بالصمت والخوف من الوصم الاجتماعي. يُنظر إلى الحديث عن الصحة الجنسية وكأنه تهديد للقيم الدينية والأخلاقية، مما يجعل التوعية بها أمرًا شديد الصعوبة.

تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2023 أشار إلى أن 70% من النساء في العالم العربي لا يحصلن على معلومات كافية حول الصحة الجنسية والإنجابية، سواء بسبب غياب المناهج التعليمية المناسبة، أو بسبب القيود الاجتماعية التي تمنع الحديث عن هذه المواضيع في المجال العام. حتى في الأسر، لا تزال مواضيع مثل الحيض، واستخدام وسائل منع الحمل، والصحة الإنجابية تُناقش بسرية أو لا تُناقش على الإطلاق.

تقول الباحثة اللبنانية رُلى صباغ، المتخصصة في الصحة العامة، إن عدم توعية النساء بحقوقهن الصحية والجنسية يؤدي إلى مشكلات خطيرة مثل الحمل غير المرغوب فيه، وانتشار الأمراض المنقولة جنسيًا، والعنف القائم على النوع الاجتماعي. في العديد من الدول، لا يتم منح النساء خيار اتخاذ قرارات متعلقة بصحتهن الإنجابية، حيث يتحكم الأزواج أو العائلات في هذه القرارات بحجة الحفاظ على “الشرف العائلي”.

غياب الخدمات الصحية المتاحة للنساء

إلى جانب التابوهات الثقافية، تعاني النساء في العديد من الدول العربية من نقص حاد في الخدمات الصحية المتخصصة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية. في بعض الدول، لا يمكن للنساء المتزوجات حديثًا الحصول على وسائل منع الحمل دون إذن الزوج، وفي دول أخرى، لا تزال عمليات الإجهاض تُعتبر غير قانونية حتى في الحالات التي تشكل خطرًا على حياة الأم.

في مصر، رغم وجود برامج حكومية لتنظيم الأسرة، إلا أن العديد من النساء لا يستطعن الوصول إلى وسائل منع الحمل بسهولة، إما بسبب الضغوط المجتمعية أو بسبب قلة المراكز الصحية التي تقدم هذه الخدمات. في العراق، لا تزال الرعاية الصحية الإنجابية ضعيفة، حيث تفتقر العديد من المناطق إلى العيادات المتخصصة التي تقدم خدمات الولادة الآمنة ورعاية ما بعد الولادة. في المغرب، رغم الجهود المبذولة لزيادة الوعي بالصحة الجنسية، لا تزال الفجوة بين المدن والمناطق الريفية كبيرة، حيث تعاني النساء في المناطق النائية من غياب كامل للخدمات الصحية الإنجابية.

توضح الطبيبة التونسية ليلى بن يوسف، المختصة في طب النساء، أن غياب الخدمات الصحية للنساء لا يؤثر فقط على صحتهن، بل يحد أيضًا من قدرتهن على اتخاذ قرارات حياتية حرة. عندما لا تستطيع المرأة الوصول إلى وسائل منع الحمل، تصبح خاضعة لقرارات الآخرين فيما يخص إنجاب الأطفال، مما ينعكس على فرصها في التعليم والعمل والاستقلالية الاقتصادية.

الإجهاض بين التجريم والواقع الصحي الخطير

يُعتبر الإجهاض أحد أكثر القضايا المثيرة للجدل في العالم العربي، حيث يتم تجريمه في معظم الدول، حتى في الحالات التي يكون فيها الحمل نتيجة للاغتصاب أو يشكل خطرًا على صحة الأم. هذا التجريم يدفع العديد من النساء إلى اللجوء إلى عمليات إجهاض غير آمنة، مما يعرض حياتهن للخطر.

في الأردن، يُعتبر الإجهاض جريمة إلا في حالات الضرورة الطبية القصوى، مما يدفع العديد من النساء إلى اللجوء إلى العيادات السرية أو استخدام أساليب تقليدية قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة. في الجزائر، يظل الإجهاض محظورًا تمامًا، حيث تواجه النساء اللواتي يجرين عمليات إجهاض عقوبات قانونية تصل إلى السجن. في تونس، ورغم أن الإجهاض قانوني، إلا أن الضغوط الاجتماعية تجعل من الصعب على النساء اتخاذ هذا القرار دون مواجهة انتقادات أو تهديدات.

تقول المحامية المغربية أمينة الزهراني، المتخصصة في حقوق المرأة، إن القوانين التي تجرّم الإجهاض لا تمنع حدوثه، بل تجعل منه خطرًا صحيًا يهدد حياة النساء، خاصة الفقيرات اللواتي لا يستطعن تحمل تكاليف العمليات الطبية الآمنة في الخارج. الحل ليس في التجريم، بل في توفير بيئة قانونية وصحية تحمي النساء وتضمن لهن حق اتخاذ القرار بشأن أجسادهن.

أحد الجوانب الأساسية لأي نظام صحي متكامل هو توفير التثقيف الجنسي للأطفال والمراهقين، لكن هذا الموضوع يكاد يكون غائبًا تمامًا عن المناهج الدراسية في معظم الدول العربية. يتم التعامل مع التربية الجنسية على أنها “تشجيع على الانحراف”، مما يحرم الأجيال الجديدة من المعلومات الضرورية حول الصحة الإنجابية والعلاقات الآمنة.

في لبنان، ورغم مساحة الحرية النسبية، لا تزال التربية الجنسية تُقدَّم بشكل محدود في بعض المدارس الخاصة فقط، بينما ترفض معظم المؤسسات التربوية الحكومية إدخالها في المناهج. في السعودية، بدأت بعض المدارس في إدخال دروس حول الصحة الإنجابية، لكن هذه الدروس تظل خاضعة لرقابة صارمة تجعلها بعيدة عن معالجة القضايا الحقيقية التي تواجه الشباب. في السودان، حيث ترتفع معدلات الزواج المبكر، لا يتم تقديم أي نوع من التوعية حول الصحة الجنسية، مما يجعل الفتيات يدخلن الحياة الزوجية دون أي معرفة بأساسيات الصحة الإنجابية.

توضح الباحثة المصرية هدى عبد الكريم، المختصة في التربية، أن غياب التربية الجنسية لا يعني أن الأطفال والمراهقين لا يحصلون على المعلومات، بل يعني أنهم يحصلون عليها من مصادر غير موثوقة مثل الإنترنت أو الأقران. عدم وجود مناهج رسمية يجعل الشباب عرضة لتبني مفاهيم خاطئة حول العلاقات الجنسية، مما يزيد من انتشار المشكلات الصحية والاجتماعية مثل التحرش، والعنف الجنسي، والحمل غير المخطط له.

هل يمكن تحقيق إصلاحات حقيقية في الصحة الجنسية والإنجابية؟

إصلاح وضع الصحة الجنسية والإنجابية في العالم العربي يتطلب تغييرات عميقة على المستوى الثقافي والقانوني. لا يمكن تحسين أوضاع النساء دون ضمان وصولهن إلى خدمات صحية متكاملة، تشمل وسائل منع الحمل، والرعاية الصحية أثناء الحمل والولادة، وحق الإجهاض الآمن. كما يجب أن تتبنى الأنظمة التعليمية مناهج حديثة للتثقيف الجنسي، بحيث يتم تقديم المعلومات الضرورية للشباب بطريقة علمية ومنهجية.

تقول الخبيرة الصحية الفلسطينية سلمى نوفل، التي تعمل في مجال الصحة الإنجابية، إن تحقيق أي تغيير في هذا المجال يتطلب مواجهة صريحة للقيود المجتمعية التي تعيق تقدم النساء. لا يمكن تحسين الصحة الجنسية دون الاعتراف بأنها جزء أساسي من حقوق الإنسان، وليست مجرد قضية “أخلاقية” يجب تجنب الحديث عنها.

رغم كل العقبات، بدأت بعض الدول العربية تشهد تطورات في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، لكنها لا تزال خطوات بطيئة مقارنة بما تحتاجه النساء لضمان حقوقهن الكاملة. التغيير يتطلب جهودًا مستمرة من الحركات النسوية، والناشطين الحقوقيين، والأطباء، والسياسيين الذين يؤمنون بأن المرأة يجب أن تكون صاحبة القرار الأول والأخير فيما يخص جسدها.

السؤال الذي يظل مطروحًا: هل سيأتي اليوم الذي تصبح فيه الصحة الجنسية والإنجابية حقًا مشروعًا في العالم العربي، أم أنها ستظل موضوعًا محرمًا يُناقش في الخفاء دون أي تغيير حقيقي؟

error: Content is protected !!