أسامة أبوديكار – كاتب وصحفي سوري
صدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2254، المُتخذ بالإجماع في 18 ديسمبر 2015، والمتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا.
أما الآن وبعد قرابة عشرة أعوام على صدوره وعدم تنفيذه، وبعد سقوط النظام قسراً، فهل المطالبة بتنفيذ بنوده التي تغيرت أموراً كثيرة على الأرض، أهمها سقوط النظام الأسدي، واستلام قيادة جديدة استمدت سلطتها من الشرعية الثورية، مع وعود بمرحلة انتقالية، وتغييرات كثيرة في السياسة الدولية والإقليمية، وسقوط المحور الإيراني مع حزب الله، تعطي المجال لأن يكون صالحاً في هذه المرحلة؟! ثم، ألا توجد حالة ضرورية لتعديله كي يصبح متماهياً مع الواقع والمتغيرات والضرورات؟!
القرار يتحدث عن مرحلة انتقالية مناصفة بين (النظام والمعارضة)، هنا النظام وقد سقط، لكن ماذا عن المعارضة التي تشكلت خلال سنوات الثورة الأربعة عشرة، وكيف سيتم تمثيلها، وهل هي جاهزة؟! وماذا عن اللاجئين السوريين، الذين هم عقدة الحل السوري، فما هي الآلية التي سيتم فيها إعادتهم، في طلّ عدم تهيئة الأرضية السليمة لإعادتهم، وهي أمنية واقتصادية؟! أما المُعتقلون والمُغَيبون، وعلى كافة الأراضي السورية، ما هو مصيرهم بعد مرور سنوات على تغييبهم؟! وماذا عن العدالة الانتقالية، وليست الانتقامية؟!
أسئلة كثيرة ومشروعة تدور حول القرار وكيفية تطبيقه، وأهمية تعديله، كي يلحظ المتغيرات السياسية والجغرافية، التي شهدها الملف السوري خلال عشرة أعوام؟!.
سياسة خطوة مقابل خطوة
المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون أعلن بتاريخ 27/1/2022 عن حصوله على “دعم صلب” من الدول الفاعلة في الملف السوري، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا، للمضي قدماً بتنفيذ مقاربته التي أسماها “خطوة مقابل خطوة”،
وتحدث عن تفاصيل المقاربة المتعلقة بالحل في سوريا، والمعروفة باسم “خطوة مقابل خطوة”.
حيث تسير من خلالها الدول العربية على صعيد علاقتها المستجدة مع النظام السوري المخلوع، وكانت ضمن محطاتها حضور الرئيس المخلوع بشار الأسد اجتماعات القمة العربية في مدينة جدة السعودية في العام 2022
وقال بيدرسون حينها في حوارات صحفية، إنه يحاول مع الدول الفاعلة في سوريا “القيام بخطوات ملموسة ومتدرجة ومتبادلة”.
وأضاف أن “هذه الخطوات تساهم في تحقيق دفع العملية السياسية، ومن المهم جداً أن تكون متوازية وقابلة للتحقق منها، وأن تساهم في تغيير الواقع على الأرض”.
أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في مطلع العام 2022، عن المبادرة الأردنية ” خطوة بخطوة”، والتي أشار الى أنها مدعومة عربياً، والذي يهدف الى إعادة دمشق للحاضنة العربية، على اعتبار الأردن من أكبر المتضررين اقتصادياً وأمنياً وسياسياً من الأحداث الجارية في سوريا، وقد أشار الصفدي الى أن المبادرة تستهدف إطلاق جهود عربية للانخراط مع الحكومة السورية آنذاك، في حوار سياسي يستهدف حل الأزمة ومعالجة تبعاتها الإنسانية والأمنية والسياسية. ويضيف الوزير الأردني “نحن كعرب أولى بتصدر طاولة الحوار لأن سوريا بلد عربي، وتبعات الأزمة تؤثر فينا أكثر من غيرنا”.
حيث ينطلق الأردن في مبادرته من أن تبعات هذه الأزمة أثّرت وتؤثر في دول الجوار والمحيط العربي أكثر مما أثرت في الدول الأخرى، ولذلك ينبغي أن يكون الحل عربياً. وتقول مصادر سياسية إن الأردن طرح أفكاراً عدة للحل على النظام السوري حينها، وهو ما ترجم عملياً إلى ما يمكن تسميته بتقارب عربي مع دمشق وعودة تدريجية ومشروطة للعلاقات معها، مدفوعة بالكارثة الإنسانية التي نجمت عن الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا وحملة التضامن والمساعدات العربية التي تلتها.
فيما يبدو أن الأردن الذي بدا معنياً بالحل في سوريا أكثر من غيره كون البلدين يرتبطان بأطول حدود مشتركة تمتد لأكثر من 375 كيلومتراً، كما من شأن أي حل سياسي أن يوقف تداعيات أكثر من اثنتي عشرة سنة من الحرب، كموجة اللجوء السوري وتهريب المخدرات، والتهديد الأمني الذي تمثله الميليشيات الإيرانية وحزب الله في جنوب سوريا، عدا عن عودة تدفق البضائع وانتعاش الاقتصاد المتبادل بين البلدين الذي طاوله الضرر والتعطل لسنوات.
وتبدو الملامح الأساسية للمبادرة الأردنية تقوم على تقديم المجتمع الدولي مساعدات اقتصادية لسورية وتخفيف العقوبات تدريجياً عنها، والبدء بإعادة الإعمار وإعلان عملية كبرى لإطلاق سراح معتقلين والأسرى بموازاة الانخراط جدياً في عملية سياسية ديمقراطية قوامها إجراء انتخابات شاملة.
هل أجهضت روسيا والصين القرار 2254؟!
في التاريخ القريب، ظهر البعبع الشيعي الإيراني، في العام 1979، في مواجهة البعبع السني في المنطقة والذي تقوده السعودية.
ليظهر صراعاً طائفياً في المنطقة تُغذيه أمريكا لصالح هيمنتها على المنطقة، ثم بدأت بإحداث قواعدها العسكرية في منطقة الخليج العربي، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث انفردت أمريكا بقيادة العالم بعد العام 1990.
الأحداث السورية، جعلت من روسيا والصين قوة سياسية في مواجهة أحادية القطب الأمريكي، حيث أصبحت كلاً من روسيا والصين يعملان على إنشاء تحالفات ثنائية تمهيداً للوصول لعالم متعدد الأقطاب.
تحركت الصين لرأب الصدع بين إيران والسعودية الخصمين اللدودين في المنطقة، وتُوج هذا التحرك باتفاق سعودي إيراني لإعادة العلاقة بينهما برعاية صينية في مطلع العام 2023، وتم بعدها فتح السفارات في البلدين، والتوقيع على عدة اتفاقيات اقتصادية وأمنية.
وقبل ذلك كانت روسيا تتحرك على الملف السوري التركي المُعقّد، حيث تتواجد قوات تركية داخل الشمال السوري الذي بات عقدة في ملف التسوية السورية، وتتواجد فيه أيضاً قوات أمريكية، ومنابع النفط السوري، والإدارة الذاتية الكردية.
فنجحت روسيا بتذليل المصاعب أمام الحكومتين السورية والتركية، وعقد لقاءات عدة بين مسؤولي البلدين وعلى كافة المستويات الأمنية والسياسية، تمهيداً لعقد قمة سورية تركية في روسيا كانت مقررة في النصف الثاني من العام 2023.
ومع انضمام إيران لهذه المباحثات مما يضع لمصالح أكبر دولتين اقليميتين، ومتدخلتين في الملف السوري أهمية في الحل السوري.
مما سبق نلحظ أن الاهتمام الدولي بالقرار 2254، أصبح أقل أهمية، وقد يبدو معدوماً، وليس أولوية لجميع الدول صاحبة القرار في الحل السوري، وخاصة بعد سقوط النظام السوري، وتقديم الملفات الإنسانية والاقتصادية وقضية اللاجئين على الحل السياسي، وأيضاً بحث دول العالم عن مصالحها الشخصية في سوريا الجديدة، هو الأولوية لدول المنطقة والعالم، وقد يؤدي فشل تطبيق القرار 2254، أو عدم تعديله حسب المتغيرات الجديدة، مع عدم وجود رؤية واضحة وجدول زمني للمرحلة الانتقالية لحكومة تسيير الأعمال، الى فتح مآلات عديدة كارثية على مستقبل الدولة السورية، قد يكون أخطرها الإبقاء على حالة الأمر الواقع في جميع المناطق السورية، يؤدي الى الوصول الى الدولة الرخوة، أو تفكيك الجغرافية.