Spread the love

في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية على قطاع السكر في منطقة الشرق الأوسط، كشف جمال الغرير، العضو المنتدب لشركة الخليج للسكر، أن الشركة التي تتخذ من دبي مقراً لها تعمل بنسبة 70% فقط من قدرتها الإنتاجية، وهو ما يعكس أزمة فائض الطاقة الإنتاجية التي تعاني منها مصانع التكرير في المنطقة. وأوضح الغرير خلال مؤتمر دبي للسكر أن أغلب وحدات التكرير في الشرق الأوسط تعمل بأقل من طاقتها القصوى، حيث تتراوح معدلات الإنتاج الفعلي بين 30% و40% فقط لبعض المصانع، مما يثير تساؤلات حول استدامة القطاع في ظل هذه الضغوط.

الإغراق الهندي وأثره على السوق الخليجية

من بين العوامل التي ساهمت في تفاقم أزمة سوق السكر في الشرق الأوسط هو قرار الهند العودة إلى السوق العالمية كمُصدِّر رئيسي، بعدما سمحت حكومتها بتصدير مليون طن من السكر حتى سبتمبر 2025. هذا القرار، وفقًا للغرير، يؤدي إلى إغراق السوق الخليجية بالسكر الهندي، مما يزيد من الضغوط على المصانع المحلية التي تكافح للحفاظ على مستويات ربحية معقولة وسط المنافسة الحادة.

ويشير الدكتور أحمد عبد الجليل، خبير الاقتصاد الزراعي في جامعة القاهرة، إلى أن التوسع في صادرات السكر الهندي يأتي نتيجة الفائض الكبير في المخزونات المحلية، والذي تسعى الهند إلى تصريفه في الأسواق الخارجية للحفاظ على استقرار الأسعار داخلياً. “الهند تستخدم تصدير السكر كأداة لتحقيق توازن داخلي، لكنها بذلك تُدخل أسواق المنطقة في حالة عدم يقين، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج لدى بعض المصانع الخليجية التي تعتمد على استيراد المواد الخام من البرازيل.”

الطاقة الإنتاجية الزائدة وغياب استراتيجيات التصريف

المشكلة الأكبر التي تواجه مصانع السكر في الشرق الأوسط ليست فقط المنافسة من الخارج، بل أيضاً غياب استراتيجيات فعالة للتعامل مع فائض الإنتاج المحلي. المهندس كمال الصباغ، المدير التنفيذي السابق لإحدى شركات الصناعات الغذائية في السعودية، يرى أن هناك حاجة لإعادة التفكير في سلاسل التوريد، وإيجاد أسواق تصديرية جديدة. “الأسواق الخليجية تواجه حالة من التشبع، والطلب لم يعد ينمو بوتيرة سريعة كما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن. إذا لم يتم توجيه الفائض الإنتاجي إلى أسواق بديلة، فقد نشهد إغلاقات لمصانع السكر في بعض الدول الخليجية مستقبلاً.”

كما أن الطلب المحلي لا يشهد زيادة واضحة، وهو ما أكده الغرير بقوله إن الاستهلاك يعتمد بشكل أساسي على قدرة الإمارات على توسيع قاعدة التصنيع الغذائي المحلي المرتبط بالسكر. وأضاف أن معظم واردات السكر الخام تأتي من البرازيل، والتي تعد أكبر مُصدر عالمي للسكر، في ظل ديناميكيات عرض وطلب متغيرة باستمرار.

انعكاسات فائض الإنتاج على الأسعار والإنتاجية

يواجه قطاع السكر في الشرق الأوسط تحديات متعددة تتعلق بالقدرة على تسعير المنتج بشكل تنافسي. فمع الإغراق المستمر من المصدرين الكبار مثل الهند والبرازيل، تتعرض مصانع التكرير في المنطقة إلى ضغوط كبيرة لتقديم أسعار قادرة على المنافسة دون المساس بجودة الإنتاج.

يقول محمد الدوسري، المستشار الاقتصادي في غرفة تجارة الرياض، إن هذه التحديات تتطلب إعادة هيكلة لسوق السكر من خلال التركيز على إضافة القيمة بدلاً من الاكتفاء بالإنتاج الخام. “الأسواق الخليجية لا يمكنها المنافسة مع الهند والبرازيل في مجال الإنتاج الكمي، لكن يمكنها أن تتفوق عبر الابتكار في المنتجات ذات القيمة المضافة مثل سكر الدايت والمحليات الصناعية التي تشهد طلباً متزايداً عالمياً.”

في ظل هذه التحديات، تواجه الحكومات الخليجية وشركات السكر خيارات محدودة. فإما أن تعمل على حماية الإنتاج المحلي من خلال رسوم حمائية ضد الإغراق الهندي، وهو خيار قد يتعارض مع سياسات التجارة الحرة، أو أن تعتمد على تحفيز الطلب الداخلي وزيادة التصدير إلى أسواق لم تُستغل بعد، مثل إفريقيا وجنوب آسيا.

يختتم الدكتور عبد الجليل تحليله بالقول إن “الحل الأكثر استدامة هو الاستثمار في البحث والتطوير، وإيجاد بدائل تجعل السكر الخليجي أكثر تنافسية في الأسواق العالمية، بدلاً من الدخول في دوامة سباق الأسعار الذي غالباً ما تخسره الشركات الصغيرة والمتوسطة أمام العملاقة مثل البرازيل والهند.”

ومع استمرار التقلبات في سوق السكر العالمي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح مصانع التكرير في الشرق الأوسط في مواجهة هذه التحديات، أم أن الأزمة ستتفاقم إلى مستويات تهدد بقاء بعض هذه المصانع؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

error: Content is protected !!