Spread the love

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الإثنين أن إدارته ستبدأ رسميًا بفرض الرسوم الجمركية على كندا والمكسيك اعتبارًا من الشهر المقبل، منهياً فترة تعليق استمرت لمدة شهر. هذه الخطوة، التي تأتي ضمن سياسة ترامب التجارية القائمة على “أمريكا أولاً”، من المتوقع أن تؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق التجارة الدولية، وزيادة حادة في التكاليف على الشركات والمستهلكين، مما قد يفاقم المخاوف من ركود اقتصادي وتضخم متسارع.

رسوم “متبادلة” أم استراتيجية ضغط؟

أكد ترامب خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض، أن الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الكندية والمكسيكية ستطبق في موعدها دون أي تأخير. وقال الرئيس الأمريكي بنبرة حاسمة:
“نحن نسير وفق الجدول الزمني المحدد للرسوم، ويبدو أن الأمور تمضي بسرعة كبيرة.”

في الوقت ذاته، شدد ترامب على أن الولايات المتحدة تعاني من نظام تجاري غير متكافئ، حيث تفرض الدول الأخرى رسوماً جمركية غير عادلة تضر بالتصنيع المحلي والوظائف الأمريكية. وأوضح أن هذه الرسوم لن تكون مجرد إجراءات عقابية، بل جزءًا من استراتيجية “الرسوم المتبادلة”، حيث سيتم فرض ضرائب إضافية على واردات تلك الدول ردًا على ما يعتبره “استغلالًا اقتصاديًا للولايات المتحدة”.

بينما يدافع ترامب عن سياسته باعتبارها وسيلة لخلق وظائف جديدة وزيادة عائدات الميزانية الفيدرالية، يحذر معظم الاقتصاديين من أن التأثير المباشر سيكون عكسياً تماماً، حيث سيتحمل المصنعون الأمريكيون العبء الأكبر.

ويرى الدكتور فادي مراد، الخبير في الاقتصاد الدولي بجامعة نيويورك أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج للشركات الأمريكية، وخاصة تلك التي تعتمد على سلاسل التوريد العالمية.

“شركات السيارات والصلب والتصنيع بشكل عام ستعاني من ارتفاع الأسعار، مما قد يدفعها إلى تقليل الإنتاج أو حتى تسريح العمال للحفاظ على الربحية”، يقول مراد.

وبالفعل، فرضت الولايات المتحدة تعريفات بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على الألمنيوم في وقت سابق، وهو ما أدى إلى زيادة تكاليف التصنيع، لا سيما في صناعات مثل السيارات والطائرات والبنية التحتية.

رد كندا والمكسيك: تصعيد محتمل؟

لم يمر إعلان ترامب دون رد فعل من أوتاوا ومكسيكو سيتي، حيث أبدت حكومتا البلدين استياءً واضحاً من القرار الأمريكي، وهددتا باتخاذ تدابير انتقامية.

يقول أنطونيو راميريز، أستاذ الاقتصاد في جامعة المكسيك الوطنية: “المكسيك لن تقف مكتوفة الأيدي، وهناك بالفعل خطط لفرض تعريفات على بعض المنتجات الأمريكية الاستراتيجية، مثل الذرة والمنتجات الزراعية.”

أما في كندا، فقد وصف وزير المالية الكندي القرار الأمريكي بأنه “انتهاك صارخ لاتفاقيات التجارة الحرة”، مشيرًا إلى أن بلاده قد ترد بفرض رسوم جمركية على الواردات الزراعية والطاقة الأمريكية، مما قد يفاقم التوترات التجارية بين الطرفين.

لا تقتصر التداعيات الاقتصادية على الشركات فحسب، بل قد يشعر بها المستهلكون الأمريكيون بشكل مباشر.
يقول محمد عبد الله، محلل الأسواق المالية في مركز الدراسات الاقتصادية في واشنطن: “هذه الرسوم ستؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية مثل السيارات والأجهزة الكهربائية، مما سيضع ضغطًا على دخل الأسر الأمريكية.”

وأشار إلى أن زيادة تكاليف الإنتاج ستجبر الشركات إما على تمريرها إلى المستهلكين من خلال رفع الأسعار، أو على خفض التكاليف عبر تسريح العمال وإغلاق المصانع، مما يزيد من خطر الركود الاقتصادي.

الهدف الحقيقي وراء سياسة ترامب التجارية؟

رغم تحذيرات الخبراء، يصر ترامب على أن سياسته التجارية ستجعل الولايات المتحدة “غنية من جديد”، مؤكدًا أن هذه الرسوم ستساهم في تقليل العجز التجاري الأمريكي مع الدول الأخرى. “بلدنا سيكون في وضع مالي قوي وغني مرة أخرى”، قال الرئيس الأمريكي في مؤتمره الصحافي.

لكن الخبراء يرون أن هذا التفاؤل قد يكون في غير محله، إذ أن تاريخ الحروب التجارية يُظهر أن التصعيد عادة ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية للجميع.

مع دخول الرسوم الجمركية الجديدة حيز التنفيذ الشهر المقبل، فإن العلاقات التجارية بين أمريكا وكندا والمكسيك تمر بأدق مراحلها منذ عقود. ورغم تأكيد ترامب أن هذه السياسة تهدف إلى حماية الاقتصاد الأمريكي، إلا أن التوقعات تشير إلى أن تداعياتها قد تكون أكثر سلبية مما يتوقع البيت الأبيض.

يقول رامي الخطيب، المستشار الاقتصادي في بنك الاستثمار الأوروبي: “إدارة ترامب تلعب بالنار، وإذا استمرت هذه السياسة، فقد نشهد تباطؤًا اقتصاديًا عالميًا جديدًا، لا سيما إذا انضمت دول أخرى إلى هذه الحرب التجارية.”

بينما تبقى الصورة ضبابية، فإن ما هو مؤكد أن الاقتصاد العالمي يستعد لفصل جديد من التوترات التجارية، قد تكون تداعياته أعمق مما يتخيله صانعو القرار في واشنطن.

error: Content is protected !!