Spread the love

لماذا تعمل ملايين النساء في العالم العربي في وظائف غير رسمية بدون ضمانات قانونية أو اجتماعية؟ كيف يتم استغلال العاملات في الزراعة والخياطة والخدمة المنزلية دون أي حماية من القوانين؟ هل يمكن الحديث عن التمكين الاقتصادي للنساء في ظل غياب تشريعات تحمي حقوقهن الأساسية في الأجور العادلة، والإجازات، والتأمين الصحي؟ وما هو الدور الذي تلعبه الحكومات والمجتمع في تكريس هذا الاستغلال؟

في العالم العربي، تعمل نسبة كبيرة من النساء في القطاع غير الرسمي، وهو القطاع الذي لا يخضع لقوانين العمل الرسمية، مما يعني غياب أي ضمانات قانونية أو اجتماعية للعاملات فيه. تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية عام 2023 أشار إلى أن 62% من النساء العاملات في المنطقة العربية يعملن في وظائف غير رسمية، مقارنة بـ 42% من الرجال، مما يعكس مدى هشاشة أوضاع النساء في سوق العمل.

في مصر، تُقدّر نسبة النساء اللواتي يعملن في القطاع غير الرسمي بحوالي 55%، حيث يعملن في مجالات مثل الزراعة، والخياطة، والخدمة المنزلية، وصناعة الأغذية المنزلية. في المغرب، تصل هذه النسبة إلى 65%، حيث تعتمد النساء في القرى على العمل في الحقول دون أي ضمانات صحية أو اجتماعية. في لبنان، يواجه عاملات المنازل أوضاعًا صعبة، حيث يتم استغلالهن من قبل أصحاب العمل دون عقود رسمية أو حماية قانونية.

تقول الباحثة الاقتصادية الأردنية عائشة الصفدي، المتخصصة في سياسات سوق العمل، إن القطاع غير الرسمي أصبح مصيدة اقتصادية للنساء، حيث يُنظر إليهن كيد عاملة رخيصة يمكن استغلالها دون الحاجة إلى توفير حقوق قانونية لهن. في كثير من الحالات، يُبرَّر هذا الاستغلال بحجة أن النساء “يعملن لمساعدة أزواجهن”، أو أنهن “لا يتحملن أعباء مالية كبيرة مثل الرجال”، مما يبرر دفع أجور منخفضة لهن وعدم منحهن أي حقوق مهنية.

الزراعة والخدمة المنزلية: مجالات عمل دون قوانين

يُعتبر العمل في الزراعة والخدمة المنزلية من أكثر المجالات التي تُستغل فيها النساء في القطاع غير الرسمي. في المناطق الريفية، تعمل النساء في الحقول لساعات طويلة، دون أجر ثابت، وفي بعض الأحيان دون أي مقابل مادي، حيث يُنظر إلى عملهن على أنه “جزء من واجبات الأسرة”. في كثير من الدول، لا يتم احتساب النساء اللواتي يعملن في الزراعة كعاملات رسميًا، مما يحرمهن من أي حقوق قانونية مثل التأمين الصحي أو التقاعد.

في السودان، تُقدّر نسبة النساء العاملات في الزراعة غير الرسمية بأكثر من 70%، حيث يُجبرن على العمل بأجور زهيدة في ظل غياب أي قوانين تضمن لهن حقوقًا مهنية. في تونس، ورغم وجود قوانين عمل واضحة، إلا أن العاملات في المزارع يواجهن ظروفًا صعبة، حيث يُجبرن على التنقل لمسافات طويلة دون وسائل نقل آمنة، ويعملن في بيئات غير صحية قد تؤثر على سلامتهن الجسدية.

أما في الخدمة المنزلية، فالوضع لا يقل سوءًا، حيث تواجه العاملات استغلالًا مضاعفًا بسبب غياب العقود القانونية التي تحميهن من التعسف. في لبنان، حيث تعتمد العديد من الأسر على العمالة المنزلية، يتم استغلال العديد من النساء العاملات في المنازل دون إعطائهن حقوقًا واضحة، حيث يتم حجز جوازات سفرهن، ومنعهن من مغادرة أماكن العمل، وحتى حرمانهن من الرواتب المستحقة في بعض الحالات.

تقول الناشطة الحقوقية المصرية بسنت محمود، التي تعمل على قضايا العاملات المنزليات، إن غياب القوانين الواضحة يجعل النساء في هذه القطاعات عرضة للاستغلال والانتهاكات. عندما لا يكون هناك قانون يُلزم أصحاب العمل بتوفير عقود للعاملات، فإنهن يُتركن بلا أي وسيلة قانونية للدفاع عن حقوقهن، مما يجعلهن فريسة سهلة للاستغلال.
الأجور المتدنية وظروف العمل غير الإنسانية

إحدى أكبر المشكلات التي تواجه النساء في العمل غير الرسمي هي تدني الأجور بشكل كبير مقارنة بالعمل الرسمي. في كثير من الحالات، تعمل النساء لساعات طويلة بأجور تقل بنسبة 30 إلى 50% عن الحد الأدنى للأجور في القطاعات الرسمية.

في اليمن، حيث تزايد الاعتماد على النساء في العمل المنزلي والزراعي بسبب النزاعات والحروب، تعمل العديد من النساء بأجور زهيدة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. في الأردن، تعمل بعض النساء في ورش الخياطة بأجور تقل عن 150 دولارًا شهريًا، رغم أن الحد الأدنى للأجور الرسمي هو ضعف هذا المبلغ. في فلسطين، حيث تزداد نسبة النساء العاملات في المشاريع الصغيرة، يواجهن تحديات إضافية بسبب القيود المفروضة على التنقل، مما يجعل حصولهن على فرص عمل أفضل أمرًا شبه مستحيل.

توضح الخبيرة القانونية الجزائرية ليلى بن يوسف أن الفجوة في الأجور بين العمل الرسمي وغير الرسمي تُعتبر انتهاكًا واضحًا لحقوق النساء، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل الحكومات والنقابات العمالية. المشكلة أن النساء في العمل غير الرسمي لا يتمتعن بأي وسائل ضغط، حيث لا توجد نقابات تمثل مصالحهن، مما يجعل من الصعب تحسين أوضاعهن المهنية.

غياب الحماية الاجتماعية: ماذا يحدث عند المرض أو الحمل؟

إحدى أخطر مشكلات العمل غير الرسمي هي غياب الحماية الاجتماعية، حيث لا تحصل النساء العاملات في هذا القطاع على تأمين صحي، أو إجازات مرضية، أو حتى إجازات أمومة مدفوعة. في بعض الحالات، يتم طرد النساء من العمل بمجرد أن يصبحن حوامل، لأن أصحاب العمل لا يريدون تحمل أي مسؤوليات تجاههن.

في المغرب، تواجه النساء العاملات في المنازل والزراعة صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية، حيث لا توفر لهن الدولة أي تأمين صحي، مما يجبرهن على تحمّل تكاليف العلاج بأنفسهن. في العراق، حيث يعمل عدد كبير من النساء في المشاريع العائلية غير المسجلة، لا يحصلن على أي تعويض عند تعرضهن لحوادث عمل، حيث لا يتم اعتبارهن عاملات بشكل قانوني.

تقول الطبيبة التونسية سلمى الجابري، المتخصصة في الصحة المهنية، إن غياب التأمين الصحي للنساء في العمل غير الرسمي لا يعني فقط أنهن يواجهن صعوبة في تلقي العلاج، بل يعني أيضًا أن العديد منهن يستمررن في العمل رغم إصابتهن بأمراض مزمنة، مما يعرض حياتهن للخطر.

كيف يمكن تحسين أوضاع النساء في العمل غير الرسمي؟

تحسين أوضاع النساء في العمل غير الرسمي يتطلب تغييرات قانونية واجتماعية، بحيث يتم إدراج هذه الفئة ضمن القوانين العمالية، وضمان حصولهن على الحد الأدنى من الحقوق، مثل العقود الرسمية، والتأمين الصحي، والأجور العادلة.

كما يجب أن يتم دعم المشاريع النسائية الصغيرة من خلال تقديم قروض ميسرة، وبرامج تدريب، بحيث تتمكن النساء من العمل في بيئات أكثر أمانًا واستقرارًا.

الخبير الاقتصادي اللبناني عادل درويش يرى أن الحكومات يمكنها تقليل نسبة العمل غير الرسمي عبر سياسات أكثر دعمًا للنساء، مثل تقديم حوافز لأصحاب العمل لتوظيف النساء بعقود رسمية، وإلزام المشاريع العائلية الصغيرة بتسجيل العاملات بشكل قانوني.

رغم أن ملايين النساء في العالم العربي يعتمدن على العمل غير الرسمي لكسب لقمة العيش، إلا أن هذا المجال لا يزال مليئًا بالانتهاكات والتجاوزات، بسبب غياب القوانين وضعف الرقابة.

السؤال الذي يظل معلقًا: هل ستشهد السنوات القادمة تغييرات حقيقية لحماية النساء في سوق العمل، أم أنهن سيبقين رهائن لعالم غير رسمي مليء بالاستغلال؟

error: Content is protected !!