Spread the love

لماذا لا تزال مشاركة النساء في السياسة المحلية أضعف من مشاركتهن في المناصب التشريعية أو الوزارية؟ هل يمكن للمرأة أن تؤثر فعليًا في القرارات السياسية من خلال المجالس البلدية والنقابات المهنية، أم أن الأبواب تظل مغلقة أمامها؟ كيف يؤثر غياب النساء عن السياسة المحلية على قضاياهن اليومية، وما هي العقبات التي تمنعهن من الوصول إلى المناصب التنفيذية على المستوى المحلي؟

المرأة في المجالس البلدية: تمثيل شكلي أم دور حقيقي؟

في العديد من الدول العربية، بدأت المرأة في الحصول على مقاعد في المجالس البلدية، لكن هذا الحضور لا يعني بالضرورة أنها تملك تأثيرًا حقيقيًا في صنع القرار. غالبًا ما يتم إدراج النساء ضمن اللوائح الانتخابية بهدف تحسين الصورة العامة للأحزاب، وليس لإعطائهن فرصة حقيقية للمشاركة في الحكم المحلي.

تقرير صادر عن المعهد العربي للحوكمة المحلية عام 2023 أشار إلى أن نسبة النساء في المجالس البلدية في العالم العربي لا تتجاوز 18%، رغم أن بعض الدول فرضت نظام الكوتا لضمان مشاركة المرأة. لكن حتى في الدول التي تتبنى هذا النظام، تواجه النساء صعوبة في فرض آرائهن داخل المجالس البلدية، حيث يتم تهميش أصواتهن لصالح الأعضاء الذكور الذين يحتكرون عملية صنع القرار.

في المغرب، ورغم أن نسبة النساء في المجالس البلدية وصلت إلى 21%، إلا أن أغلبهن يعملن في أدوار إدارية وليس في مواقع اتخاذ القرار الفعلي. في لبنان، لا تزال النساء يشكلن أقل من 5% من رؤساء البلديات، رغم أنهن يشكلن نسبة متزايدة من الناخبين. في مصر، أدت التعديلات الدستورية الأخيرة إلى زيادة نسبة النساء في المجالس المحلية، لكنها لم تؤدِ بعد إلى تغييرات جوهرية في السياسات المتبعة.

تقول الخبيرة السياسية التونسية سعاد بن نصر، التي تتابع قضايا الحكم المحلي، إن مشكلة المجالس البلدية ليست فقط في ضعف تمثيل النساء، بل في أن القوانين لا تعطي هذه المجالس صلاحيات كافية لصنع قرارات مؤثرة. حتى عندما تصل النساء إلى المناصب البلدية، فإنهن يجدن أنفسهن محاصرات بهيمنة الذكور على الهياكل التنفيذية، مما يجعل تأثيرهن محدودًا.

النقابات المهنية: لماذا تظل القيادة حكرًا على الرجال؟

إلى جانب السياسة المحلية، تظل النقابات المهنية واحدة من أكثر المجالات التي تواجه فيها النساء تمييزًا واضحًا. رغم أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من القوى العاملة في العديد من القطاعات، إلا أن وصولهن إلى مواقع صنع القرار في النقابات يظل ضعيفًا.

في الأردن، ورغم أن النساء يشكلن 42% من العاملين في قطاع التعليم، إلا أن نسبة النساء في قيادة النقابات التعليمية لا تتجاوز 10%. في الجزائر، تهيمن القيادات الذكورية على النقابات العمالية، حيث لا يتم تمثيل النساء في المفاوضات الجماعية حول الأجور وظروف العمل. في لبنان، تواجه النساء صعوبة في الترشح لمناصب قيادية داخل النقابات المهنية، حيث يتم اختيار القيادات بناءً على شبكات نفوذ ذكورية لا تترك مجالًا للنساء.

تقول النقابية المصرية منى العطار، التي خاضت معركة طويلة للوصول إلى منصب قيادي في نقابة الصحفيين، إن المشكلة ليست فقط في القوانين، بل في الثقافة السائدة داخل النقابات نفسها. حتى عندما تحاول النساء الترشح لمناصب قيادية، فإنهن يواجهن عقبات تتمثل في عدم دعم الزملاء لهن، أو في التشكيك في قدرتهن على إدارة الملفات الحساسة التي تتحكم بها النخب الذكورية.

أسباب ضعف تمثيل النساء في المجالس البلدية والنقابات المهنية متعددة، وتشمل عوامل قانونية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية. معظم الأحزاب السياسية تفضّل دعم الرجال في الانتخابات المحلية، بحجة أنهم أكثر قدرة على التعامل مع القواعد الشعبية. حتى عندما يتم ترشيح نساء، فإنهن غالبًا ما يتم وضعهن في مراكز غير مضمونة النجاح.

في بعض الدول، لا تمتلك المجالس البلدية صلاحيات حقيقية، مما يجعل المشاركة النسائية غير ذات تأثير فعلي. النساء اللواتي يصلن إلى هذه المجالس يجدن أنفسهن مجرد “ديكور” في بيئة يسيطر عليها الرجال. كما تواجه النساء اللواتي يرغبن في دخول السياسة المحلية أو النقابات ضغوطًا كبيرة من أسرهن، حيث يُتوقع منهن التوفيق بين العمل السياسي أو النقابي ورعاية الأسرة. في بعض الحالات، يتم تصوير النساء اللواتي يطمحن إلى المناصب العامة على أنهن “يضحين بحياتهن الأسرية” من أجل السلطة.

إلى جانب ذلك، تواجه العديد من النساء اللواتي يخضن غمار الانتخابات المحلية أو الترشح لمناصب قيادية في النقابات حملات تشويه وتحرش إلكتروني ومضايقات مباشرة تهدف إلى ثنيهن عن المشاركة. التحديات الثقافية والمجتمعية تظل من أكبر العقبات أمام النساء في السياسة المحلية، حيث يتم تصوير المرأة التي تسعى للقيادة على أنها تتحدى الأدوار التقليدية، مما يعرضها لضغوط اجتماعية ونفسية قد تمنعها من الاستمرار.

هل يمكن أن يكون للنساء دور أكبر في السياسة المحلية؟

رغم كل التحديات، بدأت بعض الدول العربية تشهد زيادة تدريجية في تمثيل النساء في السياسة المحلية، حيث نجحت بعض النساء في الوصول إلى مناصب قيادية في البلديات والنقابات. في تونس، تمكنت بعض النساء من الوصول إلى رئاسة البلديات بعد ثورة 2011، مما شكّل نقطة تحول في المشهد السياسي المحلي. في فلسطين، بدأت النساء تشارك بشكل أكبر في المجالس المحلية، رغم العقبات الثقافية والسياسية التي تواجههن.

لكن هذا التحول لا يزال بطيئًا، ويتطلب إصلاحات هيكلية تضمن تمكين النساء من لعب دور حقيقي في الحكم المحلي والنقابات. يجب أن تكون هناك قوانين تضمن تمثيلًا نسائيًا أكبر، ويجب أن يكون هناك وعي مجتمعي بأهمية دور المرأة في صنع القرار المحلي، لأن القرارات التي تؤثر على الحياة اليومية لا يمكن أن تُصنع من قبل الرجال فقط.

تقول السياسية المغربية نوال العرابي، التي تشغل منصبًا في مجلس بلدي محلي، إن التغيير لن يأتي فقط من القوانين، بل من قدرة النساء أنفسهن على فرض وجودهن في الساحة السياسية المحلية. عندما تثبت النساء أنهن قادرات على تحقيق إنجازات ملموسة، فإنهن يكتسبن شرعية شعبية تجعل من الصعب تهميشهن مستقبلًا.

رغم كل التحديات، فإن مشاركة النساء في السياسة المحلية والنقابية ليست مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة لضمان أن تكون القرارات التي تؤثر على المجتمع أكثر تمثيلًا وتنوعًا. التغيير يتطلب وعيًا قانونيًا، ودعمًا مجتمعيًا، ومشاركة حقيقية للنساء في عمليات صنع القرار.

السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل يمكن للنساء في العالم العربي أن يكسرن الهيمنة الذكورية على السياسة المحلية، أم أن المجالس البلدية والنقابات ستظل حكرًا على الرجال لعقود أخرى؟

error: Content is protected !!