Spread the love

في ليلة الخامس من نوفمبر عام 1605، وقفت بريطانيا على حافة كارثة تاريخية، حيث تم إحباط مؤامرة لنسف مبنى البرلمان وقتل الملك جيمس الأول وحكومته بالكامل. كان المخطط يقوده جاي فوكس ومجموعة من الكاثوليك الإنجليز الساخطين، الذين أرادوا الإطاحة بالحكومة البروتستانتية واستبدالها بنظام مؤيد للكاثوليكية.

لكن هل كانت هذه المؤامرة مجرد عمل إرهابي فردي، أم أنها كانت جزءاً من صراع ديني وسياسي أكبر بين الكاثوليك والبروتستانت؟ ولماذا أصبحت هذه الحادثة رمزاً في الذاكرة البريطانية، حيث يتم الاحتفال بها سنوياً حتى اليوم؟

خلفية الصراع الديني في إنجلترا

لم تكن إنجلترا مستقرة دينياً في بداية القرن السابع عشر، حيث كان الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت لا يزال مشتعلاً منذ عهد الملك هنري الثامن، الذي انفصل عن الكنيسة الكاثوليكية وأسّس الكنيسة الأنجليكانية.

بعد وفاة الملكة إليزابيث الأولى عام 1603، تولى جيمس الأول العرش، وكان البروتستانت يأملون أن يعزز سلطة الكنيسة الأنجليكانية، بينما كان الكاثوليك يأملون في أن يمنحهم حرية أكبر في ممارسة شعائرهم. لكن سرعان ما خاب أمل الكاثوليك عندما استمر الملك في فرض قوانين صارمة ضدهم، مما جعل بعضهم يلجأ إلى العنف كحل أخير.

التخطيط لمؤامرة البارود

في عام 1604، بدأ روبرت كاتسبي، وهو كاثوليكي متشدد، في تجنيد مجموعة من المتآمرين لوضع خطة لاغتيال الملك وجميع أعضاء البرلمان. كان الهدف من التفجير خلق فراغ في السلطة، مما يسمح للكاثوليك بالسيطرة على الحكم وتنصيب ملك كاثوليكي جديد.

أحد العناصر الرئيسية في المؤامرة كان جاي فوكس، جندي إنجليزي خدم في الجيوش الإسبانية وكان خبيراً في المتفجرات. تم تكليفه بمهمة زرع 36 برميلاً من البارود في قبو أسفل مبنى البرلمان، وهو ما كان كافياً لتدمير المبنى بالكامل وقتل جميع من فيه.

قبل أيام من تنفيذ الخطة، أرسل أحد المتآمرين رسالة مجهولة إلى أحد أعضاء البرلمان الكاثوليك، يحذره من الحضور إلى الجلسة المقررة في 5 نوفمبر. وصلت الرسالة إلى السلطات، مما دفعها إلى تفتيش أقبية البرلمان، حيث تم القبض على جاي فوكس وهو يحرس براميل البارود.

بعد تعرضه للتعذيب في برج لندن، اعترف فوكس بالمؤامرة، وكشف عن أسماء المتآمرين الآخرين. تم القبض على بعضهم وقتل آخرون أثناء محاولتهم الفرار، بينما تم إعدام الناجين بطريقة وحشية عبر السحل والتقطيع والإرباع، وهي عقوبة شنيعة كانت تُستخدم للخونة في ذلك الوقت.

تداعيات المؤامرة: كيف تغيرت إنجلترا بعدها؟

بعد فشل المؤامرة، أصدر البرلمان قوانين أكثر قسوة ضد الكاثوليك، حيث مُنعوا من تولي المناصب الحكومية، وتم فرض غرامات على من يمارس شعائره الدينية سراً. كما عززت الحكومة سلطتها من خلال توسيع استخدام الاستخبارات والمراقبة لمنع أي محاولات تمرد مستقبلية.

على الجانب الآخر، تحولت ذكرى الخامس من نوفمبر إلى احتفال سنوي يعرف بـ”ليلة جاي فوكس” أو “Bonfire Night”، حيث يشعل البريطانيون النيران والألعاب النارية، ويحرقون دمى تمثل جاي فوكس، كرمز لإحباط التآمر ضد الدولة.

هل كانت المؤامرة مؤامرة كاثوليكية أم لعبة سياسية؟

رغم أن الرواية الرسمية تؤكد أن مؤامرة البارود كانت محاولة إرهابية كاثوليكية للإطاحة بالنظام البروتستانتي، إلا أن بعض المؤرخين يعتقدون أنها ربما كانت مؤامرة مدبرة من قبل الحكومة نفسها لاستخدامها كذريعة لتشديد القوانين ضد الكاثوليك.

لكن سواء كانت المؤامرة حقيقية أم لعبة سياسية، فإنها كانت لحظة محورية في التاريخ البريطاني، حيث عززت سلطة الحكومة، ووسعت الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت، وساهمت في تشكيل هوية بريطانيا الحديثة كدولة قائمة على الحكم البرلماني.

بعد أكثر من 400 عام على وقوعها، لا تزال مؤامرة البارود حدثاً حياً في الذاكرة البريطانية، حيث تُقام الاحتفالات السنوية، وتُستخدم صورة جاي فوكس كرمز للمقاومة والثورة في الثقافة الشعبية، كما حدث في فيلم V for Vendetta الذي أعاد إحياء شخصية فوكس كرمز ضد الطغيان.

لكن يبقى السؤال: هل كانت المؤامرة فشلاً لمجموعة صغيرة من المتطرفين، أم أنها كانت علامة على صراع أعمق لم يُحل حتى يومنا هذا؟ وهل يمكن أن تتكرر مثل هذه المؤامرات في عالمنا الحديث، حيث لا تزال الانقسامات الدينية والسياسية تثير صراعات خفية في العديد من الدول؟

error: Content is protected !!