Spread the love

اختتم مؤتمر ميونخ للأمن أعماله وسط نقاشات حادة حول مستقبل الأمن الأوروبي والعالمي، في وقت تواجه فيه القارة تحديات متزايدة على مختلف الأصعدة. في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، جاء المؤتمر ليعكس واقعًا جديدًا يفرض على القادة الأوروبيين اتخاذ قرارات حاسمة بشأن أمنهم المشترك وعلاقاتهم الدولية.

في كلمة ختامية لاقت اهتمامًا واسعًا، شدد المستشار الألماني أولاف شولتس على ضرورة توحيد الجهود الأوروبية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة، محذرًا من أن الانقسامات الداخلية قد تعرض القارة لمخاطر غير محسوبة. وأكد أن التهديدات لم تعد مقتصرة على المخاطر التقليدية، بل تشمل الهجمات السيبرانية والحروب الاقتصادية، مما يستدعي استجابة موحدة وسريعة.

كما دعا شولتس إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين دول الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن الاعتماد المفرط على حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يعد كافيًا لضمان الأمن الأوروبي. وأكد أن الوقت قد حان لتطوير استراتيجية أمنية مشتركة تستند إلى القدرات الذاتية للدول الأوروبية، موضحًا أن الأمن الأوروبي لن يتحقق دون تحمل الدول مسؤولياتها العسكرية والاقتصادية.

تزايد الأزمات العالمية وأثرها على الأمن الأوروبي

لم يغب الملف الأوكراني عن النقاشات، حيث أكد شولتس على استمرار دعم أوكرانيا في مواجهة الهجمات الروسية، محذرًا من أن أي تراجع في الدعم قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

كما أبدى المستشار الألماني قلقه من تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، معتبرًا أن الاستقرار في هذه المنطقة ينعكس بشكل مباشر على الأمن الأوروبي. ودعا إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لحل النزاعات وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مؤكدًا أن أوروبا لا تستطيع أن تبقى متفرجة على الأوضاع المضطربة في سوريا ولبنان وفلسطين.

كما تناول المؤتمر ضرورة مراجعة السياسات الأوروبية تجاه إفريقيا، خاصة مع تنامي النفوذ الصيني والروسي هناك، ما يفرض تحديات جديدة على الاتحاد الأوروبي في كيفية التعامل مع الدول الإفريقية ودعم الاستقرار فيها.

أوروبا أمام مفترق طرق حاسم

مع انتهاء مؤتمر ميونخ الأمني، أصبح واضحًا أن أوروبا تقف أمام مفترق طرق حاسم في سياساتها الأمنية. فإما أن تختار تعزيز تعاونها ووحدتها لمواجهة التحديات المتزايدة، أو أن تبقى أسيرة الخلافات الداخلية التي قد تهدد استقرارها في المستقبل.

يرى هاني حموز، الخبير في الشؤون الأمنية الأوروبية، أن المؤتمر أظهر بوضوح الحاجة إلى إعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية الأوروبية بعيدًا عن التبعية للناتو، حيث قال: “إذا لم تبدأ أوروبا في بناء جيش موحد ومنظومة دفاع ذاتية، فإنها ستبقى دائمًا رهينة للقرارات الأمريكية، التي قد لا تتماشى دائمًا مع مصالح الأوروبيين.”

أما الباحثة كريستين صونا، فترى أن التحديات الاقتصادية والأمنية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب، قائلة: “من غير المنطقي الحديث عن استراتيجية أمنية دون وجود اقتصاد قوي، وأوروبا بحاجة إلى تعزيز استقلاليتها في مجال الطاقة والتكنولوجيا، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة والصين.”

من بين الملفات التي حظيت باهتمام كبير خلال المؤتمر، كان الموقف الهندي من الحرب الأوكرانية، حيث أعربت العواصم الأوروبية عن قلقها من رفض الهند إدانة موسكو في الأمم المتحدة، وزيادة وارداتها من النفط الروسي بأسعار مخفضة.

في المقابل، رأت نيودلهي أن الأوروبيين يتعاملون بازدواجية، إذ يتوقعون دعم الهند لهم بينما يتجاهلون التهديدات التي تواجهها من الصين وباكستان. هذا الشعور بعدم التوازن عبّر عنه وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار بقوله:
“على أوروبا أن تتخلص من عقلية أن مشكلاتها هي مشكلات العالم، بينما مشكلات العالم ليست مشكلاتها.”

ويرى المحلل السياسي إدوارد حمدون، أن موقف الهند يعكس تحولًا جيوسياسيًا كبيرًا، حيث تسعى القوى الآسيوية إلى تعزيز استقلاليتها عن الغرب، قائلًا: “أوروبا تواجه الآن واقعًا جديدًا، حيث لم تعد القوى الصاعدة مثل الهند مستعدة للامتثال لسياسات الغرب دون مقابل سياسي واقتصادي واضح.”

شهد المؤتمر تغييرًا في القيادة، حيث تم توديع كريستوف هويسغن بعد ثلاث سنوات من قيادته للمؤتمر. وتم تعيين ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق لحلف الناتو، ليكون الرئيس الجديد للمؤتمر، على أن يبدأ مهامه بشكل رسمي بعد ستة أشهر، نظرًا لتوليه منصب وزير المالية في الحكومة النرويجية المؤقتة.

وفي كلمته الوداعية، قال هويسغن: “لقد كان مؤتمر ميونخ منبرًا هامًا لمناقشة القضايا الأمنية العالمية، وأتمنى أن يستمر في أداء دوره كجسر للحوار بين القوى الكبرى.” بينما أكد ستولتنبرغ أنه سيعمل على توسيع نطاق المؤتمر ليشمل ملفات أكثر تأثيرًا على الأمن العالمي، قائلًا: “علينا أن نتعامل مع التهديدات الأمنية بأسلوب أكثر تكاملًا، من الحروب التقليدية إلى الأمن السيبراني والتغيرات المناخية.”

في ظل عالم متغير، خرج مؤتمر ميونخ الأمني برسالة واضحة: أوروبا بحاجة إلى قرارات حاسمة وجريئة لضمان مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

فهل تستطيع القارة العجوز تطوير منظومة أمنية مستقلة بعيدًا عن الناتو، وكيف يمكن لأوروبا موازنة علاقاتها مع القوى الصاعدة مثل الهند والصين، وهل يكون هذا المؤتمر نقطة تحول في بناء تحالفات جديدة تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية العالمية؟

الأسئلة كثيرة، لكن ما هو مؤكد أن السنوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير الأمن الأوروبي والدور الذي ستلعبه القارة في النظام العالمي الجديد.

error: Content is protected !!