Spread the love

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية حول مستقبل قطاع غزة، تعمل مصر على تقديم خطة متكاملة لإعادة إعمار القطاع، رافضة أي تحركات قد تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين تحت أي مبرر. يأتي ذلك وسط ضغوط أمريكية لترويج فكرة ترحيل السكان، في حين تتحرك القاهرة دبلوماسيًا لحشد دعم أوروبي ودولي لرؤيتها، مؤكدة أن الحل يكمن في إعادة الإعمار والتعافي المبكر وليس في تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان.

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، أن بلاده تسعى لحشد دعم دولي لمشروعها الخاص بإعادة إعمار غزة بطريقة تحفظ حقوق الفلسطينيين على أرضهم، وتحول دون أي محاولة لتهجيرهم إلى الخارج. وأوضح أن القاهرة تتطلع إلى دعم أوروبي قوي لمبادرتها، مشيرًا إلى أن فرنسا تلعب دورًا حيويًا داخل الاتحاد الأوروبي في هذا السياق.

من جانبه، أبدى وزير الخارجية الفرنسي ترحيبه بالمبادرة المصرية، معتبرًا أن أي محاولة لفرض تغيير ديموغرافي في غزة ستكون لها عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي والدولي. وأكد أن باريس ستعمل على دعم الخطة المصرية في المحافل الأوروبية والدولية، مع التركيز على أهمية حل مستدام يضمن استقرار الأوضاع في غزة.

منذ 25 يناير/ كانون الثاني الماضي، تصاعد الحديث عن مخطط أمريكي يقوده الرئيس دونالد ترامب، يهدف إلى إعادة توطين الفلسطينيين من غزة في دول مجاورة، مثل مصر والأردن. ورغم تأكيد واشنطن أن هذه الخطوة ليست إلزامية وإنما خيار مطروح، فإن العواصم العربية، وفي مقدمتها القاهرة وعمان، رفضت المشروع بشكل قاطِع، محذرة من تداعياته السياسية والأمنية.

الباحث في الشؤون الإقليمية، الدكتور فادي نصار، يرى أن مصر تدرك أن التهجير القسري للفلسطينيين ليس مجرد قضية إنسانية، بل يشكل خطرًا وجوديًا على مستقبل الدولة الفلسطينية. وأوضح أن القاهرة تتحرك ضمن إطار أوسع، يسعى إلى تفكيك أي مشروع يؤدي إلى تفريغ القطاع، وهو ما يبرر توجه مصر نحو تقديم بديل عملي يتمثل في خطة شاملة للإعمار.

وأضاف نصار: “الإدارة الأمريكية تحاول فرض واقع جديد، لكن مصر تعي تمامًا أن أي تغيير ديموغرافي في غزة لن يمر بسهولة، لا على الصعيد السياسي ولا الأمني. لهذا السبب، تعمل القاهرة على استقطاب الدعم الدولي لموقفها، خصوصًا داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر شريكًا رئيسيًا في الجهود الإغاثية والإعمارية داخل الأراضي الفلسطينية.”

التفاصيل الأولية للمبادرة المصرية

حتى الآن، لم تكشف القاهرة عن جميع تفاصيل خطتها، لكن مصادر دبلوماسية مطلعة أشارت إلى أنها تتضمن إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع، وتعزيز الدعم الإنساني، إضافة إلى مشروعات تنموية تهدف إلى استيعاب السكان داخل غزة بدلاً من دفعهم إلى الخارج.

المحلل السياسي الفرنسي، جان بيير مورا، قال إن المبادرة المصرية تحمل أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تأتي في مواجهة مشروع التهجير الأمريكي، ولكن لأنها أيضًا تمثل خطوة استراتيجية مصرية لتعزيز دورها كوسيط أساسي في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وأضاف: “إذا تمكنت القاهرة من حشد دعم أوروبي ودولي كافٍ، فإن ذلك سيحد من النفوذ الأمريكي في تحديد مستقبل غزة، وسيعيد توجيه الجهود نحو مشاريع التنمية والإعمار بدلاً من الحلول القسرية.”

الموقف العربي ودوره في دعم المبادرة

تتمتع مصر بدعم عربي واسع في تحركاتها، حيث أكدت دول مثل السعودية، الإمارات، قطر، والأردن رفضها القاطع لأي محاولات لفرض تهجير الفلسطينيين تحت أي ذريعة. ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن القاهرة تعمل حاليًا على بلورة موقف عربي موحد يدعم خطتها، مع التركيز على دور الدول الخليجية في تقديم تمويل مباشر للمشاريع الإعمارية داخل غزة.

الدبلوماسي الأردني السابق، عمر الكيلاني، يرى أن التحركات المصرية ليست مجرد رد فعل، بل تمثل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى منع أي إعادة تشكيل ديموغرافية في المنطقة، مشيرًا إلى أن الأردن يتبنى موقفًا مشابهًا لمصر، ويرفض تمامًا فكرة إعادة توطين الفلسطينيين خارج حدودهم التاريخية.

وأضاف الكيلاني: “الولايات المتحدة تلعب بورقة الضغط المالي لفرض رؤيتها، لكن الدول العربية تملك أوراقًا لا تقل أهمية، أبرزها الاستثمارات الاقتصادية في غزة، والتي يمكن أن تخلق واقعًا جديدًا، يمنع أي محاولات للتهجير القسري.”
الضغط الأمريكي والمخاوف من التصعيد

على الرغم من التأكيدات المصرية بأن المبادرة تحظى بدعم دولي متزايد، فإن هناك مخاوف من أن واشنطن قد تستخدم أدوات ضغط سياسية واقتصادية لإجهاض الخطة، خصوصًا إذا ما رأت أنها تتعارض مع مصالحها الإقليمية.

الباحث في العلاقات الدولية، نادر كميل، أوضح أن الإدارة الأمريكية لا تزال تدرس خياراتها بشأن غزة، لكنها لن تقبل بسهولة بمبادرة مصرية تُفشل أي مخططات لتغيير التوازن الديموغرافي في القطاع. وأضاف: “الموقف الأمريكي لم يُحسم بعد، لكن المؤشرات تفيد بأن واشنطن قد تضغط على القاهرة عبر الملفات الاقتصادية، في محاولة لإعادة صياغة المشهد بما يتناسب مع رؤيتها.”

مع استمرار الجدل حول مصير قطاع غزة، تبدو المبادرة المصرية واحدة من أهم الخطوات التي يمكن أن تمنع سيناريوهات التهجير القسري وتعيد توجيه الجهود نحو إعادة الإعمار. ومع ذلك، فإن نجاحها سيعتمد إلى حد كبير على قدرة مصر على استقطاب الدعم الدولي، ومواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة.

في ظل كل هذه التحديات، يبقى السؤال الأهم، هل تنجح القاهرة في فرض رؤيتها، أم أن المصالح الدولية ستعرقل جهودها، مما يعيد القضية إلى مربع الجمود مجددًا؟

error: Content is protected !!